سطرت جمهورية القمر المتحدة، يوم السبت 25 يوليو الجاري، صفحة جديدة في تاريخها الثقافي والحضاري، بعد أن اعتمدت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، خلال دورتها الثامنة والأربعين المنعقدة في جمهورية كوريا، إدراج المدن التاريخية لسلطنات جزر القمر على قائمة التراث العالمي، في أول اعتراف من نوعه بموقع قمري على هذه القائمة الدولية المرموقة.

 

ويعد هذا الإنجاز ثمرة مسيرة امتدت قرابة عشرين عامًا من العمل العلمي والفني والدبلوماسي، توجت باعتراف المجتمع الدولي بالقيمة الإنسانية الاستثنائية للمدن التاريخية في إيكوني، موروني، اتسندرا، تسوجيني، دوموني، وموتسامودو، بوصفها شاهدًا حيًا على تاريخ السلطنات القمرية وإرثها العمراني والثقافي العريق.

تتويج لمسيرة طويلة

بدأت رحلة هذا الملف عام 2007 بإدراج المدن التاريخية لسلطنات جزر القمر على القائمة الإرشادية المؤقتة لليونسكو، قبل أن تنجز السلطات القمرية، بالتعاون مع خبراء وطنيين ودوليين، سلسلة من الدراسات العلمية وأعمال الجرد والتوثيق الميداني وإعداد الملفات الفنية، وصولًا إلى تقديم ملف الترشيح الرسمي في يناير 2025. وخلال جلسة دراسة الملف، حظيت الجهود القمرية بإشادة واسعة من أعضاء لجنة التراث العالمي الذين نوهوا بجودة الملف وما بذل فيه من عمل علمي وتقني، معتبرين أن هذه المدن تمثل نموذجًا فريدًا للتراث الحضري في منطقة المحيط الهندي.

غزالي: هذا انتصار لكل قمري

وأعرب رئيس الجمهورية، غزالي عثمان، عن اعتزازه بهذا الإنجاز، مؤكدًا أن فرحته نابعة من كونه "قمريًا قبل أن يكون رئيسًا للجمهورية". وقال أمام أعضاء اللجنة: "أشكركم على رسائل التهنئة. لست فقط رئيس الدولة التي أدرجت ستًا من مدنها التاريخية على قائمة التراث العالمي، بل أنا قبل كل شيء قمري".

وأضاف أن هذه المدن ليست آثارًا صامتة، بل أحياء ما زالت تنبض بالحياة، وتحافظ على العادات والتقاليد والمعارف والممارسات الدينية والاجتماعية التي تشكل جوهر الهوية القمرية، مجددًا التزام الدولة بحماية هذا التراث ونقله إلى الأجيال المقبلة في إطار رؤية للتنمية المستدامة.

إشادة دولية واسعة

وشهدت جلسة الاعتماد كلمات تهنئة من عدد من الوفود المشاركة، حيث وصف ممثل جمهورية كوريا إدراج المدن التاريخية القمرية بأنه محطة مهمة في مسيرة حماية التراث العالمي، متمنيًا النجاح لجزر القمر في جهود المحافظة على هذا الإرث الإنساني. كما هنأت جامايكا السلطات القمرية على العمل الذي أُنجز خلال مراحل إعداد الملف، فيما أكدت تركيا، باسم مجموعتها، دعمها للدول الجزرية الصغيرة في جهودها الرامية إلى صون تراثها الثقافي.

ومن جانبه، اعتبر ممثل لبنان، متحدثًا باسم المجموعة العربية، أن القرار يمثل لحظة تاريخية ليس لجزر القمر وحدها، بل أيضًا لإفريقيا والعالم العربي، مقدمًا تهانيه للشعب القمري بهذه المناسبة. كما وصف السفير التنزاني السابق لدى جمهورية القمر المتحدة هذا الإنجاز بأنه انتصار لجزر القمر وللقارة الإفريقية وللتراث الإنساني، مشيدًا بالرؤية والإصرار اللذين قادا إلى هذا النجاح.

مكاسب ثقافية وتنموية

ولا يقتصر هذا الإدراج على قيمته الرمزية والثقافية، بل يفتح أمام جزر القمر آفاقًا واعدة في مجالات التعاون الدولي، وحماية المواقع الأثرية، وتنشيط السياحة الثقافية، ودعم البحث العلمي، وتعزيز الصناعات والحرف التقليدية المرتبطة بالتراث.

ويمنح الاعتراف الدولي أيضًا تقديرًا مستحقًا لسكان المدن التاريخية الذين حافظوا، عبر أجيال متعاقبة، على هذا الإرث الحضاري الثمين. فالأزقة القديمة، والمساجد التاريخية، وقصور السلاطين، والساحات العامة، والمنازل المشيدة بالحجر المرجاني، لم تعد مجرد معالم محلية، بل أصبحت جزءًا من التراث الإنساني المشترك.

ويشكل هذا الإنجاز أحد أبرز المكاسب الثقافية في التاريخ الحديث لجمهورية القمر المتحدة، ويضع الأرخبيل للمرة الأولى على خريطة التراث العالمي، فاتحًا مرحلة جديدة من الحضور الثقافي الدولي والحفاظ على الهوية الوطنية للأجيال القادمة.