احتضنت العاصمة القمرية، موروني، مساء الأحد 22 فبراير 2026م، وسط حضور قمريَ رسمي وشعبي مبهج، احتفالا بيوم التأسيس، تأسيس الدولة السعودية الأولى منتصف القرن الثامن عشر (1744-1818م) التي تأسَست على يد الإمام محمد بن سعود، طيب الله ثراه (1697-1765م) واتخذت من مدينة الدرعية بإقليم نجد عاصمة لها، وكانت هي البذرة الطيبة التي نبتت عليها الدولة السعودية الثانية (1824-1891م) على يد الإمام تركي بن عبد الله المتوفى سنة (1834م)، التي اتخذت من مدينة الرياض عاصمة لها، ومن رحم الدولة السعودية الثانية ولدت الدولة السعودية الثالثة عام 1902م، على يد المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز آل سعود، ثم أعلن عن قيام المملكة العربية السعودية رسميا في 23 سبتمبر عام 1932م، وفيه تحتفل المملكة بيومها الوطني.

 

اليوم، تمسك المملكة العربية السعودية بزمام قيادة الأمة الإسلامية، كما تتزعم العمل العربيَ المشترك، وتتبوأ مقعد صدق في المجتمع الدولي بفضل قيادتها الحكيمة ومواردها الاقتصادية الضخمة، ودورها الأخلاقيَ والإنسانيَ العام في حفظ السلم والأمن الدوليين. لقد زاد من بهجة الاحتفاء بيوم التأسيس في مورني وقوعه في أجواء رمضانية بديعة، تفيض بنفحات الإيمان وأريحية الأرواح وسموَ النفوس المتعلقة بالله إلها واحدا في السماء والأرض معبودا من الخلائق فيهما، فقد انعقدت المناسبة مع المائدة الرمضانية التي دأبت السفارة السعودية على عقدها في الشهر العظيم، ودعوة شرائح متنوعة من المجتمع القمريَ إليها بلا استثناء أو إقصاء، وهو سلوك حميد وصنع مجيد جدير بالشكر والتقدير والاحتذاء. 

 

كان من مقتضيات المراسم والبرتوكول المعهود في مثل هذه الاحتفالات، أن يتحدَث وزير الخارجية وقد كان حاضرا، أو من ينوب عنه باسم الدولة المضيفة بعد كلمة سعادة سفير الدولة المعنية بالمناسبة، غير أنَ المتحدث كان  الوزير الأول الدكتور أبوبكر سيد علي، نيابة عن رئيس الجمهورية، ربما للإشارة إلى أنَ الدولة السعودية هي وطن لكل مسلم ومسلمة من الناحية الدينية، وقبلة لكل مؤمن ومؤمنة، وربما كان بغرض الإعلان عن متانة العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين البلدين الشقيقين اليوم أكثر من أي وقت مضى، ثم عن تطلعاتنا المستقبلية نحو مزيد من المتانة والرسوخ وتبادل المصالح السياسية والمنافع الاقتصادية، برزت تلك الدلالات الخفية في حسن الاستجابة وفي الحضور المكثف للمسئولين، تأكيدا للآمال العظيمة التي تعلقها القيادة القمرية على جهود السفير السعودي الجديد، سعادة السيد محمد بن غرامة الشمراني، وهو رجل يمتاز بجانب لباقته وحنكته الدبلوماسية، بالحرص الواضح وبالجدية وحسن الأداء، والتحلي بقيم النبل الإنسانيَ وكرم النفس، التي لفت بها انتباه الناس هنا من أوَل يوم، وجعله محل توقعاتهم الطموحة في منح العلاقات السعودية القمرية قوة دفع ربما تحتاجها في هذه اللحظات، لاسيَما فيما يتعلق بالمشاريع الاقتصادية والتنموية المنتجة التي تحتاج إليها جزر القمر، لتخفف بها عن كواهل شبابنا من ويلات البطالة والفقر، ومن مخاطر ركوب قوارب الموت بحثا عن فرص عمل كريمة في دول الشمال، والتي راح ضحيتها آلاف الشباب القمريين في السنوات الأخيرة، ولسان حالهم يقول: "موت المرء غرقا مفعما بأمل في الحياة، خير له من العيش في وطن بلا أمل سوى موت في ظلام".

 

كانت المملكة العربية السعودية سباقة في فتح أبواب جامعاتها لأبناء جزر القمر فجر الاستقلال عن فرنسا عام 1975م، فقد خرَجت علماء وطنيين راسخين في العلم، وخرجت كوادر مؤهلة تأهيلا عاليا وفق منهج إسلاميَ وسطيَ معتدل، وهو ما جعلت جزر القمر اليوم، بعدما آلت المؤسسات الدينية الرسمية والشعبية والخاصة إلى أيديهم، واحة من الأمن الدينيَ الوارف والاستقرار المجتمعي المحافظ على ثوابت الإسلام، وجعلها في نجوة من تيارات التطرف والغلو في الدين، وحماها من الجماعات التي تمارس العنف والإرهاب باسم الإسلام وهو منه براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، سواء كان ذلك منهم بالأصالة عن أنفسهم أو بالنيابة عن جهات معادية للإسلام، والفضل في ذلك موفور للجامعات السعودية ولجلَة علمائها المحترمين.

 

في ظل المحاور السياسية والعسكرية الناشئة، تصطف دولة جزر القمر في المحور العربي الإسلامي الذي يتشكل بزعامة المملكة العربية السعودية، ويضمَ  مصر، تركيا، دولة قطر، وباكستان، ولربما إيران، بهدف إعادة ترتيب ما تبعثر من أوراق العرب والمسلمين  نتيجة الفتنة الكبرى، وهو موقف يسنده منطق الأمور، فهي دول راسخة في التاريخ والجغرافيا، دول صاعدة بثبات في المسرح الدولي، بما تملك من قدرات عسكرية وبشرية واقتصادية وعلمية، دول قادرة على حماية مصالحها الخاصة من العبث والهدر، ومصالحها مرتبطة عضويا بالمصالح العامة للأمتين العربية والإسلامية، سواء تعلق الأمر بأمن السودان ووحدته واستقراره، أو بأمن اليمن وتوطيد دعائم الشرعية فيه، أو تعلق الأمر بوحدة وسيادة دولة الصومال على ترابها الوطني، أو باسترداد جزيرة مايوت القمرية إلى السيادة القمرية، أو تعلَق الأمر بأمن وسلامة القرن الأفريقي، الذي يعدَ بلدنا امتدادا حيويا واستراتيجيا للقرن الإفريقي الموسع، بل حتى امتدادا حيويا لمنطقة الشرق الأوسطـ الكبير، ليس فقط بانتسابها عضوا في جامعة الدول العربية، بل لوحدة الهدف والمصير والقواسم المشتركة، وهي مسألة بالغة الدقة والحساسية، وتضعها القيادات القمرية في حساباتهم دائما في علاقاتها الخارجية عربيا ودوليا.

 

بقلم الدكتور نور الدين باشا

 

كلية الإمام الشافعي، جامعة جزر القمر