يشهد المسجد الحرام في مكة المكرمة تنفيذ أكبر مشروع توسعة في تاريخه، ضمن رؤية سعودية شاملة تهدف إلى الارتقاء بالخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين، ومواكبة الزيادة المطردة في أعداد قاصدي بيت الله الحرام، من خلال مشاريع عمرانية وهندسية وتقنية غير مسبوقة، تجعل من الحرم المكي واحدًا من أكثر المرافق الدينية تطورًا على مستوى العالم.

 

وتتواصل أعمال تنفيذ التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام، التي تعد أحدث وأكبر مراحل التوسعة منذ تأسيس الحرم، إذ صُممت لرفع الطاقة الاستيعابية للمصلين بصورة تدريجية، عبر إنشاء مبنى توسعة حديث، وساحات واسعة، وشبكة متكاملة من الجسور والأنفاق وممرات المشاة، إلى جانب مرافق خدمية متطورة وبنية تحتية متكاملة تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق المحيطة، بما يضمن انسيابية حركة الحشود خلال مواسم الحج والعمرة.

ويعتمد المشروع على حلول هندسية متقدمة تراعي التوسع المستقبلي، إذ رُوعي في تصميمه إمكانية إضافة طوابق جديدة للصلاة والممرات عند الحاجة، في وقت شهدت فيه مساحات الصلاة، ودورات المياه، والمواضئ، وأنظمة التبريد، توسعًا ملحوظًا مقارنة بما كانت عليه قبل بدء المشروع، بما يعزز قدرة المسجد الحرام على استقبال الأعداد المتزايدة من المصلين في مواسم الذروة.

ولا تقتصر التوسعة على زيادة المساحات فحسب، بل تمتد إلى إبراز الهوية المعمارية الإسلامية للمسجد الحرام، من خلال استخدام القباب المتحركة والثابتة، والواجهات الزجاجية، والمشربيات المعدنية، والزخارف القرآنية، مع توظيف أحدث التقنيات في الإنارة والتكييف وإدارة المبنى، بما يجمع بين الأصالة المعمارية ومتطلبات البناء الحديث.

ويشكل الجانب التقني أحد أبرز ملامح المشروع، حيث جُهزت مرافق التوسعة بمنظومة إلكترونية متطورة لإدارة الحشود، تعتمد على الكاميرات الذكية وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم، بما يسهم في تنظيم حركة المصلين والطائفين، والحد من الازدحام، ورفع مستويات السلامة داخل المسجد الحرام، خاصة خلال مواسم الحج وشهر رمضان.

مشروع "بوابة الملك سلمان"

وتتزامن أعمال التوسعة مع تنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية في المنطقة المركزية بمكة المكرمة، وفي مقدمتها مشروع "بوابة الملك سلمان"، الذي يستهدف إعادة تشكيل المنطقة المحيطة بالحرم المكي وفق نموذج عمراني حديث، مع الحفاظ على هويتها التاريخية والثقافية. ويضم المشروع مرافق سكنية وتجارية وثقافية وخدمية، إضافة إلى مصليات وساحات تستوعب مئات الآلاف من المصلين، ويرتبط مباشرة بشبكات النقل العام لتسهيل وصول ضيوف الرحمن إلى المسجد الحرام.

وفي موازاة المشروعات الإنشائية، تواصل الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي تطوير منظومة التشغيل والصيانة والخدمات اليومية، من خلال توفير خدمات الإسعاف والطوارئ، ووسائل التنقل المجانية والكهربائية، وخدمات الإفتاء والترجمة، وحفظ الأمتعة، إلى جانب برامج متخصصة لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يعكس توجهًا نحو تقديم تجربة متكاملة لضيوف الرحمن تعتمد على الجودة والكفاءة وسرعة الاستجابة.

وتأتي هذه المشاريع في إطار استراتيجية سعودية طويلة المدى لتطوير الحرمين الشريفين، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى رفع أعداد المعتمرين، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز كفاءة إدارة الحشود، بما يرسخ مكانة المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين، ويجعل رحلة الحج والعمرة أكثر يسرًا وأمانًا لملايين الزوار من مختلف دول العالم.

وتؤكد المؤشرات الحالية أن مشروع التوسعة السعودية الثالثة لا يمثل مجرد توسع عمراني في مساحة المسجد الحرام، بل يشكل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين العمارة الإسلامية الأصيلة، والتقنيات الحديثة، والخدمات المتطورة، ليواكب النمو المتزايد في أعداد قاصدي بيت الله الحرام، ويعزز قدرة المسجد الحرام على أداء رسالته الدينية والإنسانية لعقود مقبلة.