يُعد الزواج في الإسلام من أوثق الروابط الإنسانية وأعظم العهود الشرعية، إذ لم يجعله الله تعالى مجرد وسيلة لتحقيق منفعة عابرة، ولا علاقة قائمة على تبادل المصالح المادية، وإنما جعله سكنًا ومودة ورحمة، وميثاقًا غليظًا، ومسؤولية مشتركة بين الزوجين. قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

 

وفي ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، تبرز قضية تستحق التأمل: أن تتحول بعض الاعتبارات المشروعة في اختيار شريك الحياة إلى الغاية الأساسية من الزواج، بحيث يصبح المال أو الجاه أو المنصب أو النفوذ هو المحرك الأول للعلاقة. وهنا لا تعود المشكلة في وجود المصلحة، وإنما في تحول الوسيلة إلى غاية. لا ينكر الإسلام أن للزواج مصالح دنيوية مشروعة؛ فالإنسان يبحث عن السكن والاستقرار، وعن شريك يعينه على بناء الأسرة، كما أن القدرة المالية وحسن تدبير شؤون الحياة من الأمور التي لا يمكن إغفالها. والشرع لا يطالب الإنسان بأن يتجاهل هذه الجوانب. وقد قال النبي ﷺ «تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». فالحديث يقرر واقعًا بشريًا في أسباب الاختيار، ثم يوجه إلى تقديم الدين باعتباره المعيار الأهم. كما قال ﷺ: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه». ومن هنا فإن مراعاة المال أو المكانة الاجتماعية أو غيرهما من الاعتبارات المباحة لا تُعد في ذاتها أمرًا مذمومًا، وإنما الخطر عندما يصبح المال هو المقصد الغالب، أو تصبح شخصية الإنسان ودينه وخلقه مجرد أمور ثانوية أمام ما يملكه من ثروة أو نفوذ. 

حين يتحول الزواج إلى علاقة منفعة

الزواج الذي يُبنى في أساسه على المنفعة المادية قد يبدأ بصورة تبدو ناجحة، ما دامت المصلحة قائمة والظروف مستقرة. لكن المشكلة تظهر عندما تتغير الظروف. فالثروة قد تنقص، والمنصب قد يزول، والوظيفة قد تُفقد، والمكانة الاجتماعية قد تتغير، وقد يمر الإنسان بمرض أو عجز أو ضائقة مالية. فإذا كانت العلاقة قد قامت أساسًا على ما يملكه الإنسان، فقد تصبح هذه التغيرات سببًا في تغير المشاعر والمواقف. وهنا يظهر السؤال الحقيقي: هل كان الزواج ارتباطًا بالإنسان، أم ارتباطًا بما يملكه الإنسان؟ المال متغير، والزواج يحتاج إلى الثبات. المال من نعم الله تعالى إذا اكتُسب من الحلال وأُنفِق في الحلال، لكنه ليس ثابتًا على حال واحدة. أما الزواج فهو شراكة حياة، وقد يمر الزوجان خلال سنوات طويلة بمراحل من السعة والضيق، والصحة والمرض، والقوة والضعف. ولهذا لا يستطيع الزواج أن يستمر بمنطق المنفعة وحده. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالمعاشرة بالمعروف تقتضي حفظ الحقوق، وحسن التعامل، والصبر، والرحمة، والقيام بالواجبات، وعدم جعل الظروف المادية معيارًا وحيدًا لتقييم الزوج أو الزوجة.

 الأزمات تكشف حقيقة العلاقة

 قد تبدو بعض العلاقات الزوجية مستقرة في أوقات الرخاء، لكن الأزمات قد تكشف مدى رسوخها. فقد يفقد أحد الزوجين عمله، أو يتراجع دخله، أو يمر بمرض، أو تتغير ظروف الأسرة. وفي هذه اللحظات يظهر الفرق بين الزواج الذي يقوم على المودة والرحمة والمسؤولية، والزواج الذي تغلب عليه المصلحة والمنفعة. فالزوج الذي يحب زوجته ويحترمها لا يجعل مرضها سببًا للتخلي عنها، والزوجة التي تقدر زوجها لا تجعل فقدانه لماله سببًا لاحتقاره. وهذا لا يعني أن الشريعة تلزم أحد الزوجين بقبول الضرر أو إسقاط حقوقه، وإنما يعني أن تقلب الظروف لا ينبغي أن يحول العلاقة الزوجية إلى علاقة مشروطة باستمرار المنفعة. من أخطر آثار الزواج النفعي أن تتحول الحياة الزوجية إلى حسابات مستمرة: ماذا قدمتَ لي؟، ماذا قدمتُ لك؟، ماذا حصلتُ عليه؟، وماذا سأحصل عليه؟ وهذه العقلية قد تضعف معاني التضحية والإيثار والتسامح. فالأسرة لا تقوم دائمًا على مبدأ الأخذ والعطاء المتساوي في كل لحظة؛ فقد يمر أحد الزوجين بظرف يجعله يحتاج إلى دعم الآخر، ثم تتغير الأدوار في مرحلة أخرى. ومن هنا كانت المودة والرحمة من أعظم أسباب استقرار الأسرة .إذا شعر أحد الزوجين أن الطرف الآخر اختاره أساسًا بسبب المال أو الجاه أو المنصب، فقد تنشأ أزمة عميقة في الثقة. وقد يظل السؤال حاضرًا: هل يحبني لشخصي، أم لما أملكه؟ وبالمقابل قد يشعر الطرف الآخر أنه ليس شريكًا في الحياة، وإنما وسيلة لتحقيق مستوى معيشي أو مصلحة معينة. ومتى ضعفت الثقة، أصبحت الخلافات أكثر سهولة، وأصبح سوء الظن أكثر حضورًا، وقد تتحول الحياة الزوجية إلى صراع مستمر حول المال والمطالب والمكانة.

 المصلحة ليست المشكلة، وإنما الاستغلال

من المهم هنا التفريق بين المصلحة المشروعة والاستغلال. فمن الطبيعي أن يبحث الإنسان عن زوج أو زوجة تتوافر فيهما القدرة على تحمل مسؤوليات الأسرة، وأن يراعي الاستقرار المادي والاجتماعي. لكن الاستغلال شيء آخر؛ وهو أن يصبح الإنسان مجرد وسيلة للوصول إلى المال أو النفوذ أو الجاه، دون وجود رغبة حقيقية في بناء حياة زوجية قائمة على الاحترام والوفاء. ولهذا ينبغي أن يكون السؤال عند اختيار شريك الحياة أوسع من سؤال: ماذا يملك؟. بل ينبغي أن يكون: من هو؟ كيف دينه؟ كيف خلقه؟ كيف يتعامل مع الناس؟، هل يتحمل المسؤولية؟، هل يحفظ الحقوق؟، هل يمكن أن يكون شريكًا في السراء والضراء؟ الإسلام لا يدعو إلى الفقر، ولا يجعل المال أمرًا مذمومًا، وإنما يضعه في موضعه الصحيح. فالمال يمكن أن يكون وسيلة إلى الاستقرار، وتأمين المسكن، والإنفاق على الأسرة، وتربية الأبناء، والقيام بالواجبات. لكن عندما يتحول المال من وسيلة إلى غاية، ويتحول الزواج من علاقة إنسانية شرعية إلى طريق للوصول إلى الثروة أو المكانة، فإن ميزان العلاقة يختل. ولهذا ينبغي أن يكون المال جزءًا من منظومة متكاملة، لا أساسًا وحيدًا للاختيار.

 الأسرة المستقرة تحتاج إلى منظومة من القيم

 لا يمكن بناء أسرة مستقرة بالمال وحده، كما لا يمكن بناؤها بالعاطفة وحدها. إنما تحتاج الأسرة إلى مجموعة متكاملة من القيم، في مقدمتها: الدين، والخلق، والصدق، والثقة، والاحترام، والتوافق، والمسؤولية، والمودة، والرحمة، إلى جانب القدرة على تحمل الأعباء المادية. فإذا اجتمعت هذه العناصر، أصبح المال عاملًا مساعدًا على الاستقرار، لا سببًا للتحكم في العلاقة. ولا تكمن المشكلة في أن يسعى الإنسان إلى حياة مستقرة أو يراعي الوضع المادي لشريك حياته، وإنما تكمن في أن تتحول المصلحة من وسيلة مشروعة إلى غاية تحكم العلاقة كلها. فالمال قد يزيد وينقص، والمنصب قد يأتي ويزول، والمكانة الاجتماعية قد تتغير، أما الأسرة فتحتاج إلى قيم أكثر ثباتًا من ذلك كله. ولهذا فإن السؤال الأهم قبل الزواج ليس: ماذا سأحصل عليه من هذا الزواج؟. بل: هل أستطيع أن أبني مع هذا الإنسان حياة تقوم على طاعة الله، والمودة، والرحمة، والاحترام، والتعاون، وتحمل المسؤولية في السراء والضراء؟ فإذا كان المال حاضرًا، والدين والخلق والمودة حاضرة، كان المال نعمةً ووسيلةً للاستقرار. أما إذا أصبح المال هو الغاية، وأصبح الإنسان مجرد وسيلة لتحقيقه، فقد تتحول النعمة إلى سبب للنزاع، وتتحول العلاقة التي شُرعت للسكن والمودة والرحمة إلى علاقة يحكمها الحساب والانتظار والمصلحة. فالزواج الناجح لا يقوم على إلغاء المصلحة، وإنما على وضعها في موضعها الصحيح: وسيلةً لا غاية، وعاملًا مساعدًا لا أساسًا وحيدًا، مع جعل الدين والخلق والمودة والرحمة والمسؤولية أساسًا لبناء الأسرة واستمرارها.

بقلم الدكتور/ إبراهيم نصيف

رئيس قسم المدارس القرآنية والمساجد

الإدارة العامة للشؤون الإسلامية بوزارة العدل والشؤون الإسلامية