في السادس من يونيو الماضي، احتضنت الديوانية الحمدية للثقافة العربية في جزر القمر ندوة علمية خُصِّصت لاستعراض سيرة السيد طاهر بن سيد ناصر عبد الله بن شيخ الشيخان آل أبي بكر بن سالم، أحد أعلام الثقافة والأدب في البلاد، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى إحياء التراث الوطني وتعزيز الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع جزر القمر بالعالم العربي.
وتأتي هذه الندوة تأكيدًا لأهمية صون الذاكرة الوطنية وإبراز الشخصيات التي أسهمت في بناء الهوية الثقافية للبلاد، إذ إن إحياء التراث مسؤولية حضارية تتشارك فيها الأمم، لما يمثله من سجل حيّ يوثق تاريخ الشعوب ويحفظ إنجازاتها للأجيال القادمة.
لقد ترك علماء وأدباء جزر القمر عبر التاريخ إرثًا علميًا وثقافيًا ثريًا، ما زال يشكل منارة للعلم والمعرفة. ومن ثم فإن البحث في سيرهم، وجمع آثارهم، وإبراز إسهاماتهم، يعد عملاً وطنيًا يسهم في مواجهة محاولات طمس التاريخ أو تغييب الحقائق، ويعزز قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.
ومن بين هذه القامات البارزة يبرز اسم السيد طاهر، الذي عُرف بسمو أخلاقه، وكرمه، وحبه للخير، واهتمامه بالفقراء والمحتاجين، فضلاً عن مكانته العلمية والأدبية التي جعلته أحد أبرز رموز التراث القمري في القرن العشرين.
حياته ونشأته
وُلد السيد طاهر في مدينة سينغاني عام 1910م، ونشأ في بيت علم ودين، حيث تلقى تعليمه الأول على يد والده الأستاذ سيد ناصر، فتعلم القرآن الكريم، ودرس مبادئ العلوم الإسلامية، واللغة العربية، والفقه.
وبعد أن رسخت أقدامه في العلوم الشرعية، انتقل إلى العاصمة موروني لدراسة اللغة الفرنسية، ثم سافر إلى جزيرة مايوت رغبةً في توسيع معارفه واكتساب خبرات جديدة. وهناك التحق بمسابقة للالتحاق بالقوات الفرنسية، فنجح فيها، وعُيّن شرطيًا ضمن بعثة أُرسلت إلى مدغشقر.
وخلال إقامته في مدغشقر، لم تقتصر جهوده على أداء مهامه الوظيفية، بل واصل نشاطه في الدعوة إلى الإسلام، وحرص على خدمة أبناء الجالية القمرية، ومساعدتهم في تيسير شؤونهم والتخفيف من معاناتهم في الغربة. وكان السيد طاهر شافعي المذهب، صوفيَّ المشرب على الطريقة العلوية، قبل أن يعود إلى جزر القمر لمواصلة حياته العملية وخدمة مجتمعه.
شاعر العربية والقمرية
اشتهر السيد طاهر بموهبته الشعرية، فكان ينظم القصائد باللغة العربية، ولا يما القصائد التي تُلقى في استقبال الوفود القادمة من حضرموت وزنجبار، كما نظم عددًا كبيرًا من القصائد باللغة القمرية.
وتنوعت موضوعات شعره بين المدائح النبوية، حيث تناول سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ مولده الشريف حتى وفاته، كما نظم قصائد في برّ الوالدين، وأخرى في الثناء على شيخه الشيخ أحمد المعروف، ورثى أخاه الشيخ عبد الوهاب بقصيدة مؤثرة.
ويروي المهتمون بتراثه أنه كان من أوائل الداعين إلى تقعيد اللغة القمرية، وقد طلب من أخيه الشيخ قمر الدين وضع قواعد لها، في خطوة تعكس وعيه المبكر بأهمية حفظ اللغة القمرية وتطويرها باعتبارها أحد أهم مكونات الهوية الوطنية.
إرث يستحق التوثيق
توفي السيد طاهر عام 1979م، بعد أن ترك إرثًا علميًا وأدبيًا غنيًا، يجمع بين خدمة الدين، والإسهام في الأدب، والدفاع عن اللغة والثقافة المحلية. ولا يزال اسمه حاضرًا في ذاكرة المهتمين بتاريخ جزر القمر، بوصفه واحدًا من الرموز التي أسهمت في ترسيخ الهوية الثقافية والوطنية.
وتمثل الندوات العلمية التي تُعقد للتعريف بسيرته وسيرة غيره من أعلام البلاد خطوة مهمة في سبيل حفظ التراث القمري، وإعادة الاعتبار لشخصيات كان لها أثر عميق في مسيرة العلم والثقافة، بما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخها ويحفزها على مواصلة مسيرة البناء والعطاء.
بقلم الأستاذ/عبد الله عبد الله عبد الوهاب
موجه تربوي


