فتحت الديوانية الحمدية للثقافة العربية في جزر القمر ملف واقع اللغة العربية ومستقبلها في الأرخبيل، خلال أمسية ثقافية وعلمية شهدت حضور القائم بالأعمال في سفارة المملكة المغربية لدى جزر القمر، الأستاذ إدريس القيسي، إلى جانب عدد من الأساتذة والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي والتعليمي.
وخصصت الأمسية لمناقشة أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية في جزر القمر، والبحث في السبل الكفيلة بتعزيز حضورها في المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية. وقدم الأستاذ الدكتور أحمد محمد طويل، أستاذ اللغة العربية في كلية الإمام الشافعي، محاضرة بعنوان "التحديات التي تواجه اللغة العربية في جزر القمر"، أدارها مؤسس الديوانية الحمدية الدكتور حامد كرهيلا. واستعرض الدكتور طويل الجذور التاريخية للحضور العربي في جزر القمر، موضحاً أن الصلات العربية بالأرخبيل تعود إلى ما قبل انتشار الإسلام، من خلال الهجرات والعلاقات التجارية والتواصل الحضاري، قبل أن يتعزز حضور اللغة العربية مع انتشار الإسلام وظهور الكتاتيب والمدارس والمعاهد العربية. وتناول المحاضر أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية في البلاد، وفي مقدمتها الإرث الاستعماري، والبعد الجغرافي عن العالم العربي، وضعف التمثيل الدبلوماسي العربي، ومحدودية الاهتمام بالمدارس العربية، وهيمنة اللغة الفرنسية على الإدارة، وضعف استخدام العربية في الحياة اليومية، فضلاً عن محدودية التنسيق بين المؤسسات التعليمية العربية.
مقترحات لتعزيز حضور العربية
وفي مقابل هذه التحديات، طرح المحاضر مجموعة من المقترحات الرامية إلى دعم حضور اللغة العربية وتعزيز مكانتها، من بينها تطوير المؤسسات التعليمية والثقافية، وزيادة حصص اللغة العربية في المدارس ووسائل الإعلام الوطنية، وتوسيع فرص المنح الدراسية للطلاب القمريين في الجامعات العربية. كما دعا إلى دعم الباحثين القمريين في مجال اللغة العربية والدراسات الإسلامية، والنظر في إمكانية إنشاء فروع للجامعات العربية في جزر القمر، وتعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف المؤسسات التعليمية والثقافية المعنية باللغة العربية. وشهدت الأمسية مداخلات ونقاشات ثرية، كان من أبرزها كلمة القائم بالأعمال المغربي إدريس القيسي، الذي أشاد بالمبادرة الثقافية التي أطلقتها الديوانية الحمدية، مؤكداً أهمية العناية باللغة العربية ونشرها والحفاظ على حضورها في المجتمع. وأشار القيسي إلى أن عدداً من التحديات التي أثيرت خلال النقاش تتقاطع مع تجارب عرفها المغرب، بما يفتح المجال أمام الاستفادة من التجارب والخبرات في مجال تعليم اللغة العربية وتطوير المؤسسات المعنية بها. كما شارك في النقاش عدد من الأساتذة والباحثين، من بينهم محمد نور عبد الباقي، ونور الدين محمد طويل، والدكتور عبد الله محمود شاكر، الذين قدموا ملاحظات ومقترحات تناولت واقع التعليم العربي، وتطوير الكتاب المدرسي، ودور المؤسسات العلمية والتعليمية التي أسهمت في خدمة اللغة العربية والعلوم الشرعية في جزر القمر.
الديوانية الحمدية.. فضاء للحوار الثقافي
وفي ختام الأمسية، وجه مؤسس الديوانية الحمدية الدكتور حامد كرهيلا الشكر والتقدير للمحاضر والحضور والمشاركين، مؤكداً استمرار الديوانية في أداء دورها كفضاء للحوار الثقافي والعلمي، ومنبر لخدمة اللغة العربية وتعزيز حضورها في جزر القمر. وتعكس هذه الأمسية استمرار النقاش حول مستقبل اللغة العربية في الأرخبيل، في ظل حضور تاريخي وثقافي راسخ لها، مقابل تحديات تعليمية ومؤسسية ولغوية تتطلب، بحسب المشاركين، مزيداً من التنسيق والدعم والتعاون بين المؤسسات الوطنية ونظيراتها في العالم العربي. وفي جزر القمر، لا تزال العربية تتجاوز كونها لغة للتعليم والتواصل، لتشكل جزءاً من الذاكرة الحضارية والثقافية للأرخبيل، وجسراً يربطه بامتداده العربي والإسلامي.


