لم يكن إدراج المدن التاريخية لسلطنات جزر القمر على قائمة التراث العالمي لليونسكو مجرد اعتراف دولي بقيمة معالم أثرية، بل جاء تتويجًا لتاريخ طويل من التفاعل الحضاري الذي صنع هوية الأرخبيل، ورسالة تؤكد أن هذا الإرث الإنساني أصبح جزءًا من الذاكرة المشتركة للعالم.

 

فالمدن الست المدرجة، وهي موروني، إيكوني، إتسندرا، نتسوجيني في جزيرة القمر الكبرى، ودوموني وموتسامودو في جزيرة أنجوان، تختزل قرونًا من التاريخ السياسي والديني والتجاري لجزر القمر، وتعكس مزيجًا فريدًا من التأثيرات الإفريقية والعربية والفارسية والهندية والسواحلية، التي صاغت عبر الزمن شخصية الأرخبيل الثقافية والمعمارية.

دوموني: العاصمة الثقافية لأنجوان

وتكشف الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والمعمارية التي أُنجزت في إطار إعداد ملف الترشيح أن هذه المدن تشترك في خصائص عمرانية مميزة، تتمثل في الأزقة الضيقة، والقصور السلطانية، والمساجد التاريخية، والزوايا، والأسوار الدفاعية، والحصون، والمقابر القديمة، وهي عناصر تمنحها قيمة استثنائية تجعلها مؤهلة لتكون وجهات رائدة للسياحة الثقافية في منطقة المحيط الهندي.

وتُعد دوموني من أقدم مدن الأرخبيل وأكثرها ارتباطًا بتاريخ السلاطين الشيرازيين القادمين من بلاد فارس، حيث تحتضن قصورًا تاريخية، أبرزها أوجومبي وتوايفا وبانغاني، إلى جانب مساجد يعود تاريخ بعضها إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ما جعلها توصف بالعاصمة الثقافية لجزيرة أنجوان.

إتسندرا: قلعة المقاومة وملتقى الحضارات

أما إتسندرا، فتتميز بقصر غيريزاني الذي شُيّد فوق مرتفع لحماية المدينة من الغزوات، ويُعد رمزًا للمقاومة في وجه الغارات الملغاشية، كما تضم المدينة ضريح العالم الجليل الحبيب عمر بن سميط، فضلًا عن شاطئها الأبيض ومعالمها التاريخية التي تعكس امتزاج التأثيرات السواحلية والعربية والأوروبية.

وفي العاصمة موروني، ما تزال المدينة القديمة تحتفظ بطابعها العمراني الأصيل، حيث تنتشر القصور التاريخية، والمساجد العريقة، والزوايا، والأبواب الخشبية المنحوتة، والأزقة الضيقة المرصوفة بالحجارة. ويبرز مسجد الجمعة القديم باعتباره أحد أهم المعالم الإسلامية في البلاد، فيما تواصل قصور السلاطين، التي لا يزال بعضها مأهولًا، سرد صفحات من التاريخ السياسي للأرخبيل.

نتسوجيني: مدينة الأسوار السبعة

وتبرز نتسوجيني بأسوارها الدفاعية الفريدة التي تضم سبعة أبواب، لكل منها وظيفة محددة، إضافة إلى أبراج المراقبة والتحصينات التي جعلت المدينة إحدى أبرز قلاع المقاومة في تاريخ جزر القمر، فضلًا عما تحتفظ به من تراث عمراني يعكس تعاقب الحضارات التي استوطنتها عبر القرون.

وفي موتسامودو، تظل القلعة التاريخية المشيدة في القرن الثامن عشر أبرز معالم المدينة، وقد أُقيمت لحماية الميناء من الهجمات الخارجية. كما تضم المدينة قصورًا ومساجد ومقابر ومبانٍ تاريخية، من بينها قصر أوجومبي الذي شهد توقيع محطات مفصلية في تاريخ جزر القمر، من بينها مرسوم إلغاء الرق عام 1882 واتفاق الحماية الفرنسية عام 1887.

إيكوني: المدينة التي هزمت الغزاة

أما إيكوني، إحدى أقدم مدن جزيرة القمر الكبرى، فقد كانت عاصمة للجزيرة لحقبة طويلة، وتتميز بقصر كابفيريجي الذي يجمع بين الطرازين القمري والبرتغالي، إلى جانب أسوارها المشيدة فوق المرتفعات وساحاتها التاريخية التي ما تزال شاهدة على مقاومة السكان للغزوات الخارجية.

ولا تقتصر أهمية هذا التصنيف على قيمته التاريخية والثقافية، بل يمثل أيضًا فرصة استراتيجية لتنمية الاقتصاد الوطني من خلال تعزيز السياحة الثقافية، وتشجيع ترميم المباني التاريخية، وإحياء الحرف التقليدية، واستقطاب التعاون الدولي في مجال حماية التراث. كما يسهم في إنشاء فرص عمل جديدة للشباب في مجالات الترميم، والإرشاد السياحي، والصناعات التقليدية، ويمنح جزر القمر حضورًا أقوى على خريطة التراث العالمي.

وبهذا الإنجاز، تدخل جزر القمر مرحلة جديدة من تاريخها الثقافي، حيث لم تعد المدن التاريخية مجرد شواهد على الماضي، بل أصبحت ركيزة لبناء مستقبل يجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة، لتظل هذه المدن العتيقة منارات حضارية تروي للأجيال قصة أرخبيل ظل، عبر القرون، ملتقى للحضارات والثقافات في قلب المحيط الهندي.