إنَ من عادة الأمم الحية أن تحتفل بتاريخ عظمائها الذين تركوا آثارا حميدة في حياتهم نافعة لغيرهم، أو قدَموا تضحيات جليلة غيَرت مجرى واقعهم، من الفقر إلى الغنى، من الاستعمار إلى الاستقلال، من الكبت والقهر إلى الحرية والديموقراطية، من ظلام الجهل إلى نور العلم والإيمان، أو من التخلف إلى التقدم...الخ، فكيف بنا ونحن نحتفل بمولد خير البشر، ورحمة الله للعالمين، وأحسنهم خَلقا وخُلقاً ؟؟
لذلك، دأب المسلمون منذ أكثر من ألف عام على الاحتفاء بميلاده صلى الله عليه وسلم، بهدف تجديد العهد، عهد الإيمان به، وحبه وتوقيره ونصرة الدين الذي جاء به. إنَ الاحتفال بميلاد النبيَ محمد، هو في جوهره احتفال بنبوة الأنبياء التي ختمت بنبوَته، واحتفاء برسالة المرسلين التي ختمت برسالته: (انظر الأحزاب:40). وقد أشار الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر، إلى هذا المعنى العميق حينما قال: "إنَ الاحتفال بمولد النبي محمد هو احتفاء بالنبوة ذاتها، وبآخر رسالات الله إلى أهل الأرض". نحتفل بمولده الشريف ابتهاجا بمن بُعثَ رسولا لهداية الإنسان، وأُنزِلَ عليه القرآن لتعليمه الحقائق الكبرى في حياته، التي لم يكن له من سبيل لمعرفتها إلا بوحي من السماء. إنه احتفاء بالميلاد الثاني للإنسان، الميلاد المعنويَ السامي، بعد الميلاد البيولوجيٌ الماديٌ، حيث منحت رسالات الله الحياة معناها وقيمتها التي يستحقها المخلوق المكرَم على سائر مخلوقات الله. نحتفل بالمولد النبويَ الشريف، لنتذكر ونحيي أيام الله، التي تفضل فيها علينا بالنعم والرحمات بلا حساب، أنظر {الأنبياء: 107}، وقد أمر الله النبيٌ موسى عليه السلام، أن يُذكٌر الإسرائليين بأيام الله الحافلة بنعمه عليهم، حين أنجاهم من فرعون، ورزقهم من الطيبات وفضَلهم على الأمم في زمانهم: (انظر إبراهيم: 5)
وقد أمر الله عز وجل المؤمنين بإظهار الفرح والسرور بفضل الله وبرحمته عليهم: (يونس: 58). نحتفل إظهارا للشكر والتحدث بالنعمة، وقد جاء الأمر بذلك في سورة (الضحى:11). نحتفل بالمولد الشريف بقراءة سيرته العطرة لنقتبس من نور حياته، وحياة العظماء هي منبع قدوتنا ومصدر أسوتنا في رحلتنا القصيرة إلى هنا، من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، لكي نتعلم في لحظات قليلة ما قضى فيه آخرون دهوراً وأزمانا في تعلٌمه، لا ينبغي أن نرتكب أخطاء جسيمة أو أن نضلٌ ضلالا بعيداً قبل أن نصل إلى الحق والعدل والهدى، ما دمنا قادرين على اختصار الطريق. نحتفل بالمولد النبوي الشريف لنُوثٌق اتصالنا بتاريخ الإسلام والمسلمين، الذين اجتمعوا واحتفلوا بهذه المناسبة العظيمة أكثر من ألف عام، وشارك فيها العلماء والأمراء والوجهاء رجالا ونساء، ودعي إليها أصحاب الديانات الأخرى إبرازاً لسماحة الإسلام، وإظهاراً لحقيقة كونه ديناً عالمياً بلا حدود بلا فوارق عنصرية، بدأ عالميا من مكة المكرمة، فقد اعتنق الإسلام بلال الحبشي، وسلمان الفارسيَ وصهيب الرومي، بجانب أبي بكر العربي، وسيظل كذلك عالميا أبداً، لم يتحقق له ذلك لجهد المؤمنين به لا أفراداً ولا دولاً، كما يعتقد بعض المناوئين للإسلام، بل تحقق له ذلك بالأصالة عن نفسه، بمنطقه الواضح، باقتناع العقل به، بموافقته لفطرة الإنسان، ثم مرافقته لتطور العلم والمعرفة بلا اختلاف. الاحتفال بالمولد النبويَ هو أسلوب تربويَ رفيع القيمة لزرع الحبَ والولاء لله ولرسوله، وتحديث الارتباط بهما، وإظهار الجانب الآخر من الإسلام، الجانب الفنيٌ الاحتفالي المبتهج، جانب الإنفاق والبذل وفي البذل والإنفاق لذة ومتعة لا يدانيها لذة الأخذ والاستئثار، إبراز جانب المجتمع المتحضٌر الجميل في الملبس والمأكل والمشرب، وحسن اللقاء وحسن الكلام، وطرد الأحزان وتفريج الهموم، وكل ذلك يحصل للمؤمنين المحتفلين بالمولد النبويَ الشريف، ولا يعرف طعم العسل إلا من ذاقه.
بقلم الدكتور نور الدين باشا
كلية الإمام الشافعي، جامعة جزر القمر


