أعلنت جمهورية توغو إلغاء الاتفاقية الموقعة بين إقليم كارا التوغولي وجزيرة مايوت القمرية المحتلة، بعد أقل من شهرين على توقيعها، مؤكدة أن الاتفاق يتعارض مع الموقف الرسمي للبلاد، ولا يمكن أن يدخل حيز التنفيذ أو يُنفذ من قبل السلطات المحلية في إقليم كارا. ويُعد هذا القرار مكسبًا دبلوماسيًا لجزر القمر في مساعيها المتواصلة للدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، ولاسيما في ما يتعلق بقضية جزيرة مايوت التي لا تزال خاضعة للإدارة الفرنسية.
وفي بيان صحفي صادر عن وزارة الخارجية التوغولية يوم السبت 29 أغسطس المنصرم، أعلنت لومي رسميًا إلغاء الاتفاقية التي وُقعت في 17 يوليو 2026 بين إقليم كارا وجزيرة مايوت. وجرى إضفاء الطابع الرسمي على قرار الإلغاء في بيان مشترك وقّعه وزير الخارجية التوغولي، روبرت دوسي، مع نظيره القمري، مباي محمد، في العاصمة الأنغولية لواندا، على هامش الدورة الاستثنائية السادسة والعشرين للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي. وأكد الجانب التوغولي رفضه لاتفاقية التعاون اللامركزي بين إقليم كارا وجزيرة مايوت، مستندًا إلى مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة جزر القمر وسلامة أراضيها. وأشار البيان إلى التزام جمهورية توغو الراسخ بالمبادئ المنصوص عليها في القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، والقرارات ذات الصلة الصادرة عن جمعية رؤساء دول وحكومات الاتحاد، ولا سيما المبادئ المتعلقة باحترام سيادة الدول الأعضاء وسلامتها الإقليمية واستقلالها، إلى جانب التسوية السلمية للنزاعات. وأكد الجانب التوغولي، بحسب البيان، أنه "لن يوافق على هذه الاتفاقية التي تتعارض مع موقفه الرسمي"، مشددًا على أنه لا يمكن لإقليم كارا أن يضع الاتفاق موضع التنفيذ. ورحب الجانب القمري بقرار الإلغاء وبالتأكيدات التي تلقاها من السلطات التوغولية، معتبرًا أن الخطوة تعكس احترامًا للمبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول الأفريقية، وفي مقدمتها التضامن واحترام السيادة والوحدة الترابية للدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي.
تأكيد على التضامن الأفريقي
وجدد وزير الخارجية التوغولي تأكيد المبدأ الدبلوماسي لبلاده، القائم على احترام مواقف وحساسيات الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، والسعي إلى حلول تقوم على الحوار والتفاهم المتبادل والتضامن الأفريقي. وفي ما يتعلق بالتعاون اللامركزي، أكدت جزر القمر وتوغو أهمية هذا النوع من التعاون، مع التشديد على ضرورة تعزيز التنسيق بين السلطات المركزية والحكومات المحلية، بما يضمن انسجام المبادرات المحلية مع التوجهات والسياسات الخارجية للدول. وأكد البلدان التزامهما بمواصلة وتعميق التعاون الثنائي في المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والاجتماعية والتعليمية واللامركزية، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين. كما أعاد وزيرا الخارجية التأكيد على التزامهما بمبادئ وأهداف الاتحاد الأفريقي، واستعدادهما للمساهمة، بروح التضامن والمسؤولية الجماعية، في تعزيز السلام والاستقرار والوحدة والتكامل في القارة الأفريقية.
مباي محمد يحذر من تراجع التضامن الأفريقي
ويأتي قرار توغو بإلغاء الاتفاقية بعد فترة وجيزة من تحذير وزير خارجية جزر القمر، مباي محمد، من تراجع ما وصفه بـ"التضامن الأفريقي" في التعامل مع القضايا التي تمس سيادة ووحدة أراضي الدول الأعضاء. وقال الوزير القمري، مخاطبًا نظراءه خلال القمة الاستثنائية التي عقدت في لواندا لمناقشة تعزيز آليات منع النزاعات في أفريقيا، إن التضامن، الذي يشكل أحد أسس المنظمة الأفريقية الجامعة، "يتلاشى تدريجيًا ليحل محله السعي وراء المصالح الفردية". وأشار إلى أن حالة جزر القمر تمثل، بحسب تعبيره، مثالًا على ذلك، في ظل توقيع صكوك واتفاقيات بين دول أفريقية وسلطات جزيرة مايوت، التي تعتبرها جزر القمر جزءًا لا يتجزأ من أراضيها وتصف استمرار الإدارة الفرنسية للجزيرة بأنه احتلال غير قانوني. وأكد مباي محمد أن استقرار القارة الأفريقية لا يمكن أن يتحقق دون احترام القيم والمبادئ التي تقوم عليها العلاقات بين الدول الأعضاء. وقال: "السلام، هذا الرصيد الثمين الذي نمتلكه ويجب علينا الحفاظ عليه، مبني على أساس متين من التضامن الفعال، واحترام سيادتنا، والسلامة الإقليمية لكل دولة من دولنا الأعضاء". وأضاف: "لذلك، أحث دولنا ومفوضية الاتحاد الأفريقي على توخي الحذر اللازم لتجنب النزاعات السياسية والدبلوماسية في قارتنا".
الحوار المباشر لتجنب سوء الفهم
وأكد الوزيران، في بيانهما المشترك، ضرورة إعطاء الأولوية للآليات التي توفرها مؤسسات وأدوات الاتحاد الأفريقي لمعالجة أي نزاع دبلوماسي محتمل قد ينشأ بين البلدين. كما اتفق الطرفان على معالجة القضايا التي قد تؤدي إلى سوء فهم بينهما بروح من الثقة والحوار المباشر والتشاور الأخوي، حفاظًا على متانة العلاقات الثنائية وحيويتها .وأشار البيان إلى أن هذا التبادل يمثل "خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة المتبادلة وتوطيد العلاقات الأخوية بين اتحاد جزر القمر وجمهورية توغو". وكان توقيع الاتفاقية بين إقليم كارا وجزيرة مايوت قد أثار استياءً واسعًا في جزر القمر، حيث أعربت السلطات القمرية آنذاك عن رفضها للاتفاق ودعت الحكومة التوغولية إلى إعادة النظر فيه. وتأمل جزر القمر أن يشكل قرار توغو سابقة إيجابية في التعامل مع الاتفاقيات والشراكات التي تعقدها بعض الجهات أو المؤسسات في القارة مع سلطات مايوت، والتي تعتبرها موروني مخالفة لمبادئ الاتحاد الأفريقي المتعلقة باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تحرك دبلوماسي قمري أوسع لإعادة النظر في اتفاقيات وشراكات أخرى أُبرمت بين جهات أفريقية وسلطات جزيرة مايوت، في إطار مواصلة موروني جهودها لحشد الدعم الأفريقي والدولي لموقفها من قضية الجزيرة.


