بعد أكثر من ثلاثة عقود من المحاولات، توّج أحمد سندو، البالغ من العمر 50 عامًا، مسيرته الطويلة بالنجاح في امتحان الشهادة الثانوية لعام 2026، محققًا حلمًا ظل متمسكًا به منذ شبابه، رغم الإخفاقات المتكررة وتقلّب ظروف الدراسة والعمل والحياة.
ولم يكن سكان بلدة زهاجو-همبو، مسقط رأسه، يتوقعون أن يأتي اليوم الذي يتحقق فيه هذا الحلم الذي طال انتظاره. لكن يوم الثلاثاء 4 أغسطس حمل لأحمد وعائلته الخبر السعيد، بعدما ورد اسمه ضمن قائمة الناجحين في امتحان الشهادة الثانوية لعام 2026، ليكون من أكبر الناجحين سنًا في هذه الدورة.
وكان أحمد سندو، المعروف بين أفراد عائلته وأصدقائه بلقب "موشيلي"، قد اجتاز الامتحان في المركز الفرعي بمدينة دمبيني، بمنطقة مباجيني، ضمن المجموعة الأولى، في شعبة الأدب الفرنسي، ليحصل أخيرًا على الشهادة التي سعى إليها لأكثر من ثلاثة عقود، ويفتح أمامه الطريق نحو مواصلة دراسته الجامعية.
استُقبل نجاح أحمد سندو بفرحة واسعة، ولاسيما في المنطقة التي يعرف سكانها قصته وكفاحه الطويل من أجل الحصول على الشهادة الثانوية. وعندما حاولت وسائل الإعلام إجراء مقابلة معه، فضّل "عميد الناجحين" عدم الإدلاء بتصريحات، لأسباب لم يكشف عنها. غير أنه لم يتمكن من إخفاء فرحته، خصوصًا بعد تلقيه التهاني عقب صلاة الجمعة بالقرب من مسجد الجمعة. ومنذ مساء إعلان النتائج، سارع سكان البلدة إلى مشاركة أسرة أحمد فرحتها، بعدما كان كثيرون قد فقدوا الأمل في أن يأتي اليوم الذي يحقق فيه حلمه القديم.
أكثر من مجرد شهادة
بالنسبة إلى أحمد سندو، لا تمثل شهادة البكالوريا مجرد وثيقة أكاديمية، وإنما هي ثمرة رحلة طويلة من الصبر والمثابرة والإصرار. وقال أحد أقاربه إن الشهادة تمثل بالنسبة إليه "أكثر بكثير من مجرد دبلوم"، وهو ما يعكسه مساره الطويل في الدراسة والعمل والحياة. ويعمل أحمد حاليًا مديرًا لمشروع في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات لدى شركة الاتصالات الملغاشية في جزر القمر "ياس جزر القمر". وقد تلقى أفراد أسرته خبر نجاحه بمزيج من الفرح والدهشة، إذ بادر بعضهم إلى الاتصال به للتأكد من صحة ما نشره على صفحته في "فيسبوك" بشأن نجاحه.
وُلد أحمد سندو في 31 ديسمبر 1976 في زهاجو-همبو، ونشأ في أسرة مكونة من ستة أبناء، أربع بنات وولدين، وكان أصغر أفرادها. وبحسب شهادات عدد من المقربين منه، بدأ أحمد محاولاته للحصول على الشهادة الثانوية في تسعينيات القرن الماضي، وظل متمسكًا بهذا الهدف رغم تعاقب السنوات.
وقال أحمد: "أتذكر أننا اجتزنا امتحان الشهادة الثانوية سنة 1988، وكنا حينها مسجلين في ثانوية مدينة سنغاني، وكنت ضمن دفعة 1993، وقد أُلغي الامتحان بسبب الغش، فأعدناه في السنة التالية". وكان عمدة بلدية هامبو جوموبانغا، سليمان صالح، قد أشار إلى أن اثنين من الناجحين في دورة 1995، من أبناء زهاجو-همبو، كانا قد أخفقا في الامتحان مرتين من قبل. ومنذ ذلك الوقت، لم يتخلَّ أحمد سندو عن حلمه، رغم ابتعاده عن الدراسة لسنوات، وعودته إليها في فترات متقطعة، ربما بسبب التحاقه بالجيش أو ظروف العمل والحياة.
إخفاقات متكررة لم توقف المسيرة
لم تكن رحلة أحمد نحو البكالوريا سهلة، فقد خاض الامتحانات مرات عديدة، وتنقل بين عدد من المراكز الفرعية في جزيرة القمر الكبرى، دون أن يتخلى عن هدفه. وتتذكر إحدى معارفه أنها التقت به عام 2002 في إحدى قاعات الامتحان شمال العاصمة موروني، وعندما عرضت عليه مساعدتها، رفض بشكل قاطع. وقالت: "كان يريد الحصول على الشهادة بفضل جهده وعرق جبينه"، مؤكدة أن الصعوبات التي واجهها طوال حياته لم تستطع دفعه إلى التخلي عن حلمه.
وعمل أحمد فترة في الجيش، ثم اشتغل حارسًا، كما التحق بالمعهد العالي للتكوين المستمر، لكنه لم يسمح لتقدم العمر أو تغير ظروف حياته بأن يثنيه عن مواصلة الدراسة والمحاولة.
ويروي منير محمد، أحد أقرباء أحمد، أن الأخير بدأ الترشح للبكالوريا عندما كان في السادسة عشرة من عمره، وظل متمسكًا بحلمه رغم مرور السنوات، حتى أصبحت مثابرته مصدر احترام داخل مجتمعه. وأوضح منير، البالغ من العمر 46 عامًا والمقيم في فرنسا، أنه عايش إحدى مراحل هذا المشوار، حيث أمضى أحمد أكثر من ثلاث سنوات في مركز كاريتاس بموروني، وأنهما اجتازا امتحان البكالوريا معًا عام 2013.
وقال: "لم نتبادل سوى بعض المواضيع التي تم تصحيحها عشية الامتحان. وأتذكر أنه كان يجتاز الامتحان في المدرسة الابتدائية بحي كولي، بينما كنت أنا في مدرسة مويني بركة". وتختصر قصة أحمد سندو رسالة واضحة مفادها أن الأوان لا يفوت لتحقيق الأحلام، مهما طال الطريق وكثرت العقبات، وأن المثابرة قد تكون أقوى من الإخفاقات.
وبعد حصوله على البكالوريا في سن الخمسين، لا يزال أحمد يفكر في خطوته المقبلة، ولم يحسم بعد ما إذا كان سيلتحق بجامعة جزر القمر لمواصلة دراسته. ومهما يكن قراره، فإن قصته ستظل نموذجًا للإصرار والمثابرة، ورسالة ملهمة إلى كل من يعتقد أن العمر أو الإخفاقات المتكررة يمكن أن تكون عائقًا أمام تحقيق الطموحات: فما دام الإنسان متمسكًا بحلمه، فإن الطريق إلى النجاح يظل مفتوحًا.


