استضافت العاصمة موروني، يومي 29 و30 يوليو الجاري، أعمال الورشة الإقليمية حول "مكافحة الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات في دول المحيط الهندي"، التي نظمتها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالمملكة العربية السعودية، بالتعاون مع وزارة الداخلية في جمهورية القمر المتحدة، وبمشاركة مسؤولين وخبراء أمنيين وممثلين عن عدد من الدول والمنظمات الدولية.
واحتضن فندق رتاج أعمال الورشة، التي افتتحها وزير الداخلية محمد أحمد عثمان، بحضور عدد من أعضاء الحكومة، بينهم وزير المالية موسى عبد الرحمن، ووزيرة النقل الجوي ياسمين حسن ألفين، وحاكم جزيرة انغازيجا إبراهيم مزي محمد، ومدير عام الشرطة نصيف كيسان، ومدير عام الأمن المدني العقيد عبد الله رفيق، إلى جانب قيادات أمنية وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى جزر القمر.
كما شارك في الورشة وفد رسمي من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية برئاسة خالد عبد العزيز الحرفش، أمين المجلس الأعلى للجامعة ووكيلها للعلاقات الخارجية، إضافة إلى وفود من المملكة العربية السعودية، وفرنسا، وسلطنة عُمان، وجيبوتي، والسودان، إلى جانب نخبة من الخبراء الأمنيين وممثلي المؤسسات الدولية المعنية بمكافحة الجريمة المنظمة.
دعوة إلى تعزيز التعاون الإقليمي
وفي كلمته الافتتاحية، أعرب وزير الداخلية عن شكره للمملكة العربية السعودية وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية على اختيار جزر القمر لاستضافة هذه الورشة، مؤكدًا أن الجريمة المنظمة والاتجار الدولي بالمخدرات يشكلان تحديًا عابرًا للحدود لا تستطيع أي دولة مواجهته بمفردها. وقال: "لا تستطيع أي دولة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تتصدى وحدها للأشكال الجديدة للجريمة المنظمة والاتجار الدولي بالمخدرات، فهذه الجرائم تتطور باستمرار وتتكيف مع التحولات التي يشهدها العالم."
ودعا إلى توحيد جهود دول المنطقة وشركاء التنمية لتطوير الأطر القانونية والأمنية، وتعزيز تبادل المعلومات والخبرات وأفضل الممارسات لمواجهة التهديدات الأمنية المتنامية. وأوضح أن الورشة تمثل منصة علمية ومهنية للحوار بين أجهزة الأمن والقضاء والاستخبارات ووحدات مكافحة المخدرات والباحثين والخبراء، بما يسهم في بناء شراكات فعالة لمكافحة الجريمة المنظمة.
وأشار الوزير إلى أن الورشة تناولت عدداً من القضايا الحيوية، من أبرزها تطور الشبكات الإجرامية، وانتشار المخدرات الاصطناعية والمواد المؤثرة على العقل، وآليات توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في أنظمة المراقبة والتحليل والتحقيق، إضافة إلى تعزيز الأمن السيبراني، وتطوير آليات تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي، وترسيخ الأطر القانونية للتعاون الإقليمي والدولي.
أرقام مقلقة حول الجريمة والمخدرات
وكشف وزير الداخلية عن مؤشرات وصفها بالمقلقة بشأن تنامي الجريمة المنظمة في جزر القمر، موضحًا أن البلاد تشهد تزايدًا في جرائم تهريب المخدرات، وتهريب المهاجرين، والاتجار بالبشر، وغسل الأموال، وتزوير الوثائق، والاتجار بالأحياء البرية المحمية، إلى جانب الجرائم المالية والإلكترونية. وأوضح أن قضايا تهريب المهاجرين شكلت نحو 64 في المائة من إجمالي القضايا المسجلة عام 2025، لتصبح أبرز مظاهر الجريمة المنظمة في البلاد.
وأضاف أن الأجهزة الأمنية تمكنت خلال عامي 2024 و2025 من ضبط أكثر من 600 كيلوغرام من القنب، إلى جانب ما يقارب 100 كيلوغرام من المخدرات الاصطناعية والكوكايين والهيروين وراتنج القنب، وهي أنواع لم تكن تسجل إلا بكميات محدودة قبل سنوات قليلة. وأكد أن هذه المؤشرات تدل على أن جزر القمر أصبحت ضمن مسارات جديدة لتهريب المخدرات على المستوى الإقليمي. وحذر الوزير من اتساع دائرة تعاطي المخدرات، مشيرًا إلى أن البيانات المتوافرة تفيد بأن هذه الظاهرة باتت تطال أشخاصًا تتراوح أعمارهم بين 14 و70 عامًا، وهو ما يعكس خطورة الظاهرة على مختلف شرائح المجتمع.
وفي ختام كلمته، شدد وزير الداخلية على أن حكومة الرئيس غزالي عثمان تتطلع إلى جعل جزر القمر شريكًا فاعلًا في منظومة الأمن الجماعي بمنطقة المحيط الهندي، مؤكدًا أن حماية المنطقة تتطلب بناء شراكة إقليمية قائمة على الثقة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب، والابتكار، واحترام القانون. وقال: "يجب ألا يتحول المحيط الهندي إلى ممر للجريمة المنظمة، بل ينبغي أن يبقى فضاءً للسلام والتعاون والازدهار والاستقرار."
جامعة نايف: الجريمة المنظمة تستغل التحولات الرقمية
من جانبه، أكد خالد عبد العزيز الحرفش أن تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2025 أظهر أن الاضطرابات العالمية أسهمت في تفاقم مشكلة المخدرات، ومنحت الجماعات الإجرامية قدرة أكبر على توسيع أنشطتها. وأوضح أن منطقة المحيط الهندي تعد من أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة والنقل البحري في العالم، الأمر الذي يجعل تعزيز التعاون الإقليمي والدولي ضرورة لحمايتها من استغلال الشبكات الإجرامية.
وأضاف أن البيئة الأمنية الدولية تشهد تحولات متسارعة، في ظل تمكن العصابات الإجرامية من توظيف التقنيات الحديثة والتطورات الرقمية لتوسيع أنشطتها والاستفادة من الانفتاح المتزايد في حركة التجارة والنقل والاتصالات.
الأمم المتحدة: مكافحة المخدرات تبدأ ببناء منظومة إقليمية متكاملة
بدوره، أوضح مصطفى إبراهيم البنا، رئيس مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن المحيط الهندي يحتل موقعًا استراتيجيًا في الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعله عرضة لمختلف أنماط الجريمة المنظمة. وأشار إلى أن المكتب يتابع بصورة يومية قضايا تهريب المخدرات والأسلحة، وتهريب المهاجرين، وغسل الأموال، والقرصنة، والصيد غير المشروع، وغيرها من الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود.
وأكد أن التصدي لهذه التحديات لا يقتصر على مكافحة المخدرات، بل يتطلب بناء منظومة إقليمية متكاملة قادرة على فهم تطور الجريمة المنظمة، والتكيف مع أساليبها المتغيرة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتحويل المعلومات إلى إجراءات أمنية فعالة.
وناقشت الورشة عدداً من المحاور الرئيسية، أبرزها مكافحة شبكات تهريب المخدرات عبر مياه المحيط الهندي، ورفع جاهزية أجهزة إنفاذ القانون، وتبادل الخبرات الأمنية، واستعراض أفضل الممارسات والمعايير الدولية، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني بين دول المحيط الهندي والدول العربية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما يسهم في حماية أمن المنطقة واستقرارها.


