دشّن بنك البريد القمري مقره الرئيسي الجديد، بعد إعادة تأهيله في ساحة البنوك بالعاصمة موروني، في خطوة تجسّد عملية إعادة هيكلة المؤسسة الوطنية السابقة للبريد والخدمات المالية، وتعكس مسار تحديث هذه المؤسسة العمومية وتجهيزها بما يتوافق مع المعايير المصرفية الحديثة.

 

وجرت مراسم التدشين، يوم السبت 4 يوليو الجاري، برئاسة الوزير الأول أبو بكر سيد علي، ممثلًا لرئيس الجمهورية غزالي عثمان، وبحضور رئيس البرلمان الوطني مستدران عبده، ووزير المالية والقطاع المصرفي موسى عبد الرحمن، ومحافظ البنك المركزي القمري يونس بن إيمان، إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة والبرلمانيين، ومسؤولي المؤسسات المالية، والشركاء الفنيين والماليين.

ثمرة خمس سنوات من الإصلاح

ولم يقتصر الحدث على افتتاح مبنى حديث أعيد تأهيله بالكامل، بل مثّل تتويجًا لنحو خمس سنوات من الإصلاحات التي أفضت إلى تحويل المؤسسة الوطنية للبريد والخدمات المالية إلى بنك عمومي متخصص في الأنشطة المصرفية. ويضم المقر الجديد 21 شباكًا لخدمة العملاء، منها 15 شباكًا في الطابق الأرضي و6 في الطابق الأول، بينها ثلاثة شبابيك مخصصة لكبار العملاء، إلى جانب مكاتب إدارية حديثة، وقاعات للاجتماعات، ونظام معلومات مصرفي متطور يستجيب لأحدث المعايير المعتمدة في القطاع المالي.

وفي كلمته بهذه المناسبة، استعرض رئيس مجلس إدارة بنك البريد القمري، سولي محمد إسلام، مراحل التحول التي انطلقت في سبتمبر 2020، مؤكدًا أن المناسبة "لا تمثل مجرد افتتاح مبنى جديد، بل تتويجًا لمسار إصلاحي طويل ودقيق، حافل بالتحديات والدروس". وأوضح أن فصل المؤسسة الوطنية للبريد والخدمات المالية إلى كيانات مستقلة أسهم في الحفاظ على الوظائف، ووضع حل مستدام لمؤسسة عانت سنوات من صعوبات مالية وإدارية.

وأضاف أن عملية إعادة الهيكلة، التي جرت تحت إشراف البنك المركزي، تُوجت بالحصول على الترخيص المصرفي النهائي في 23 يناير 2025، مؤكدًا أن البنية التحتية الجديدة والنظام المصرفي المعلوماتي أصبحا جاهزين لخدمة الاقتصاد الوطني وتعزيز الشمول المالي.

تعزيز متانة القطاع المصرفي

من جانبه، وصف محافظ البنك المركزي، يونس بن إيمان، افتتاح المقر الجديد بأنه محطة مهمة في مسيرة تطوير النظام المصرفي الوطني، مشيرًا إلى أن إنشاء بنك البريد يعكس إرادة الدولة في بناء قطاع مالي أكثر صلابة وحداثة، وأكثر قدرة على مواكبة متطلبات التنمية الاقتصادية.

وأوضح أن الصعوبات التي واجهتها المؤسسة الوطنية للبريد والخدمات المالية، خصوصًا في مجالات الحوكمة والملاءة المالية والامتثال للضوابط التنظيمية، استدعت إنشاء ثلاث مؤسسات مستقلة، هي: بنك البريد القمري، ومؤسسة البريد، وهيئة معالجة الأصول المتعثرة. وأشاد بالدعم الذي قدمه البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والوكالة الفرنسية للتنمية، مؤكدًا أن مساهماتهم الفنية والمالية كانت حاسمة في إنجاح عملية إعادة الهيكلة وإعادة رسملة البنك الجديد.

ودعا محافظ البنك المركزي إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الحوكمة الرشيدة، والكفاءة، والمسؤولية، مؤكدًا أن تطوير المؤسسة لا يقتصر على تحديث المباني، بل يشمل أيضًا تحديث أساليب الإدارة والعمل.

بنك مواطن في خدمة التنمية

بدوره، أكد وزير المالية والقطاع المصرفي، موسى عبد الرحمن، أن إعادة تأهيل أحد أقدم المباني الإدارية في العاصمة موروني، مع الحفاظ على طابعه المعماري، تمثل نموذجًا يجمع بين صون التراث ومواكبة متطلبات العصر. وأشار إلى أن بنك البريد مطالب بلعب دور أكبر في تلبية الاحتياجات التمويلية التي لا تزال غير مغطاة بالشكل الكافي، ولاسيما في مجالات التمويل المجتمعي، وتمويل الدراسات، ودعم المشاريع الصغيرة، والأنشطة الاقتصادية للأسر.

ودعا إدارة البنك إلى جعل سهولة الوصول إلى الخدمات، والقرب من المواطنين، وتعزيز الثقة، ركائز أساسية لعملها، مؤكدًا أن بنك البريد يجب أن يظل "بنكًا مواطنًا" في خدمة جميع القمريين.

ركيزة لتعزيز الشمول المالي

وفي ختام الحفل، أكد الوزير الأول أبو بكر سيد علي أن افتتاح المقر الجديد يندرج ضمن رؤية خطة جزر القمر الناشئة، مشيرًا إلى أن المشروع لا يمثل مجرد تدشين لمبنى إداري، بل يجسد إرادة الدولة في تحديث الإدارة، وتعزيز القطاع المالي، وترسيخ أسس السيادة الاقتصادية.

وأضاف أن الحكومة تسعى إلى تحويل جزر القمر إلى منصة إقليمية للخدمات المالية، من خلال تطوير الصيرفة الإسلامية، وتحسين البنية التحتية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز تعبئة المدخرات الوطنية، مؤكدًا أن بنك البريد سيؤدي دورًا محوريًا في توسيع نطاق الشمول المالي وتمويل الاقتصاد المنتج.

وفي ختام المراسم، قصّ الوزير الأول الشريط إيذانًا بالافتتاح الرسمي للمقر الجديد، قبل أن يقوم بجولة في مختلف مرافقه، حيث قدم عضو مجلس الإدارة محمد مسيدي جاي عرضًا حول التجهيزات الفنية للمبنى، مؤكدًا أنه يستجيب لمعايير البنوك الحديثة، ويوفر بيئة عمل متطورة للموظفين، ويرتقي بجودة الخدمات المقدمة للعملاء.