التقيت بالدكتور محمد باجرافيل أوَل مرَة يوم 16 فبراير 2016، في فندق شيراتون الدوحة، دولة قطر، حينما شاركنا في المؤتمر الثاني عشر لحوار الأديان بدعوة كريمة من مركز الدوحة الدوليَ لحوار الأديان، كنت سعيدا بالحديث معه وكأنَنا أصدقاء منذ الصغر، وجدته قامة علميَة وثقافيَة عظيم القدر، تتَقد فيه روح الوطنية وصدق الانتماء، رغم أنه لا يعيش ولا يتنعَم من خيرات الوطن بل يعيش في بلاد الغربة، أيقنت أنَ البلد يملك كنزا نفيسا يجعله على موعد مع فجر مشرق، وحينما عيَن سفيرا لبلدنا لدى اليونيسكو كان الرجل المناسب في المكان المناسب، وتذكَرت المثل القائل: "زوَج ابنتك أو أختك من تحبَ من الرجال، ولكن، لا تسند المسئولية إلا لمن يستحقَها فإنَها أمانة وحسرة وندامة لمن أخذها بغير حقها".
في قمة اليونيسكو في دورتها الثامنة والأربعين المنعقدة في مدينة بوسان، كوريا الجنوبية، وفي لحظة إنصاف عالميَ، تمَ إدراج ست مدن سلطانية في جزر القمر في لائحة التراث الثقافي العالمي لدى اليونيسكو: (مورني، إيكوني، نتسوجيني، اتسانراي مجيني، موتسامودو ودوموني) وهو إنجاز وطنيَ رائع، تحقق نتيجة جهد حثيث يستحق منا الشكر والتقدير، لكونه اعترافا كونيا بإسهامات شعب أفريقيَ مسلم في التراث الثقافي العالمي، تنبض بالحياة والتميز الحضاريَ، وتمثل مصدر إلهام حقيقيَ للأجيال، لكون هذه المدن السلطانية تحتفظ بقيم إنسانية نفيسة ويتجدد عطاؤها كل حين، فكانت جديرة بالعناية والاهتمام، تأكيدا للحقيقة التي نؤمن بها، وهي أنَ التراث الثقافي العالمي -المادي وغير المادي- هو ميراث مشترك بين الأمم جميعا.
إن هذا الإنجاز الثقافي العظيم يفرض علينا التزامات على المستويين الرسمي والشعبي، كما يفتح لنا أبوابا من الفرص النادرة، أما الالتزامات: فهي المحافظة على هذه المدن التراثية وحمايتها وعدم النيل منها بسوء، والعمل على صون طابعها الأصيل، الذي صار به تراثا عالميا، وأن يعلم سكانها المحليون أكثر من أي وقت مضى، بأنهم حراس مؤتمنون على تراث عالميَ، بأن يكون سلوك الإنسان فيها يبرز القيم التي يحملها هذا التراث الثقافي العريق ويظهر تقاليد أمتنا العظيمة، كشعب راسخ في التاريخ وفي الجغرافيا، ومساهم بحظ وافر من التراث الثقافي العالمي.
أما الفرص فتتمثل في زيادة شهرة هذه المدن، وتقوية الهوية الثقافية للشعب القمري، وإمكانية الحصول على مساعدات فنية ومالية لتحصين هذه المدن التراثية وتقوية البنية التحتية فيها، لتكون مهيأة لاستقبال أفواج من الباحثين والسائحين من مختلف دول العالم، مما يعزز من فرص النمو الاقتصادي للدولة وزيادة مواردها، ويجعل الباحثين والسائحين يطلعون على أحوال أمتنا بين الأمس واليوم، على حاضر شعب بدأ مسيرته منتجا ومساهما بغزارة وتميَز في الثقافة العالمية وانتهى به المطاف عام 2026، إلى ما هو عليه اليوم.
دعني في الختام أرفع الشكر والامتنان للسعادة السفير باجرافيل، على جده واجتهاده، على إخلاصه وتفانيه، وعلى حسن أدائه وصدق انتمائه لوطنه، عسى أن يكون مثالا يقتدي به خيرة شبابنا، ويومئذ يكون باب الأمل مفتوحا على مصراعيه.
بقلم الدكتور/ نور الدين باشا
كلية الإمام الشافعيَ جامعة جزر القمر


