انعقد يوم الاثنين 2 فبراير الجاري لقاءٌ ذو دلالة رمزية وتاريخية بالغة الأهمية، خُصّص لمدن السلاطين التاريخية، وذلك بمقر المجلس الاستشاري السابق لجزيرة أنغازيجا.
ويأتي هذا الاجتماع في إطار الجهود الرامية إلى حماية وتثمين المدن التاريخية للسلاطين، والتأكيد على ضرورة الاعتراف بهذا الإرث الوطني وصونه ونقله إلى الأجيال القادمة. وقد شكّل اللقاء محطة حاسمة ضمن مسار طويل يهدف إلى الحفاظ على تراث مشترك هشّ، لكنه بالغ القيمة والأهمية.
وأسفر اللقاء عن تقديم إطار قانوني مبتكر، يتضمن اتفاقية ثلاثية الأطراف، وميثاقًا، وقرارًا تطبيقيًا، لتنظيم حقوق وواجبات مالكي العقارات داخل المدن العتيقة، وتحديد آليات حماية التراث. ويهدف هذا الإطار إلى إرساء حوكمة واضحة وفعالة، وتعزيز علاقة تشاركية بين الدولة، والجماعات المحلية، والمؤسسات العلمية، والمالكين الخواص، بما يضمن حماية التراث، وتأمين الاستثمارات، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الصون والتنمية.
التوفيق بين حماية التراث وحقوق الملكية
يُحدّد الميثاق المعروض بدقة حقوق وواجبات مالكي العقارات الواقعة ضمن المدن العتيقة المصنّفة أو المسجّلة ضمن التراث الوطني. إذ يعترف بحق المالك في استخدام ممتلكاته والانتفاع بها، مع الالتزام بالقواعد والمعايير التراثية المعمول بها، ويكفل له الاستفادة من الدعم الفني الذي تقدمه الدولة والمركز الوطني للتوثيق والبحث العلمي، فضلًا عن إمكانية الولوج إلى آليات التمويل والحوافز المتاحة. كما يضمن الميثاق حق المالك في الإخطار المسبق بأي قرار قد يؤثر على ملكيته.
وفي المقابل، يكرّس الميثاق جملة من الواجبات الأساسية، من بينها الحفاظ على الممتلكات من أي تدهور متعمد أو إهمال، واحترام معايير الصيانة والترميم المعتمدة، والتعاون مع السلطات المختصة في تنفيذ سياسات الحماية.
وبهذه المناسبة، وجّه المدير العام للمركز الوطني للتوثيق والبحث العلمي، الدكتور طويل مزّي حمادي، نداءً تحذيريًا بشأن ما تشهده بعض الممتلكات المكوّنة لمدن السلاطين التاريخية من تدهور، مشددًا على ضرورة الانتقال من منطق التدخل الاستعجالي إلى عمل منظم ومستدام لحماية هذا التراث. وأكد أن صون المدن العتيقة يُعد مسؤولية جماعية، وأن الحفاظ عليها لا يتعارض مع التنمية، بل يشكل رافعة حقيقية للتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وتندرج عملية الاعتراف بالمدن العتيقة الست في جزر القمر ضمن دينامية دولية تقودها الدولة بدعم من شركاء أجانب، من بينهم فرنسا. وفي هذا السياق، أكد الملحق التعاوني في السفارة الفرنسية بجزر القمر، لودفيك كمشان، الذي حضر الاجتماع، أن ما يجري يُعد استثنائيًا نظرًا لندرة المباني التاريخية التي تعود إلى هذه الحقبة، ولاسيما في القارة الإفريقية. وأوضح أن السفارة الفرنسية سخّرت مواردها لترميم قصر "أجومبي" ودعم مالكيه، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية عملية، وأن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية التعاون مع المالكين وتحويل هذه المباني المرممة إلى ثروة وطنية حيّة، من خلال السياحة الثقافية، والمشاريع الاقتصادية المستدامة، ودعم الاقتصاد المحلي على المدى الطويل.
من جانبها، حرصت السلطات المحلية على توضيح أن إدراج مدينة موروني العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو لا يهدف إلى نزع الملكية أو منع ترميم المنازل، وإنما إلى تنظيم التدخلات التقنية بما يحسّن شروط السلامة والراحة والصحة، مع الحفاظ على الهوية المعمارية للمدينة باعتبارها تراثًا حيًا يُدار بعقلانية.
وأكد الأمين العام لبلدية موروني أن مدن السلاطين التاريخية في جزر القمر ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل تمثل روح البلاد وهويتها. وشدد على أن الحفاظ عليها ليس مجرد سياسة تراثية، بل مشروع مجتمعي متكامل يهدف إلى صون التاريخ وتطويره دون طمسه، لضمان إرث حي ومتجدد للأجيال القادمة.


