دشّن رئيس الجمهورية، غزالي عثمان، يوم السبت 5 سبتمبر الجاري، ثلاث محطات للطاقة الشمسية في الجزر الثلاث، بقدرة إجمالية تقارب 20 ميغاواط، في مشروع استراتيجي يهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الكهرباء وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
وجرت مراسم التدشين في موقع محطة واني بجزيرة أنجوان، خلف مطار الجزيرة، بحضور عدد من أعضاء الحكومة والمسؤولين المحليين، إلى جانب سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى موروني جمعة راشد الرميثي، ومسؤولين وممثلين عن المؤسسات الإماراتية المشاركة في المشروع. ويمثل المشروع ثمرة للتعاون بين جزر القمر ودولة الإمارات، حيث موّله صندوق أبوظبي للتنمية بقيمة تقارب 84.4 مليون درهم إماراتي، أي (9.7 مليار فرنك قمري) فيما تولت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» تنفيذ المشروع، وتتكفل شركة جلوبال ساوث يوتيليتيز بإدارته.
وتتوزع المحطات الثلاث على الجزر الثلاث؛ إذ تبلغ القدرة المركبة لمحطة انغازيجا 12.86 ميغاواط، فيما تصل قدرة محطة أنجوان إلى 4.05 ميغاواط، ومحطة موهيلي إلى 3.10 ميغاواط، لتبلغ القدرة الإجمالية نحو 20 ميغاواط. ويشمل المشروع كذلك أنظمة لتخزين الطاقة بالبطاريات، إلى جانب نحو 30 كيلومتراً من خطوط الكهرباء الهوائية للجهد المتوسط بقدرة 20 كيلوفولت، بما يعزز قدرة الشبكة على استيعاب الطاقة المنتجة وتحسين موثوقية الإمدادات.
وتشير البيانات الفنية إلى أن المحطات الثلاث ستنتج نحو 33.75 غيغاواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنوياً، بما يكفي لتلبية احتياجات نحو 17 ألفاً و500 منزل، مع تفادي نحو 20 ألفاً و900 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً. كما يُتوقع أن تساهم المحطات في خفض استهلاك الوقود بنحو 401 ألف لتر شهرياً، منها نحو 274 ألف لتر في القمر الكبرى، و61 ألف لتر في أنجوان، و66 ألف لتر في موهيلي، الأمر الذي من شأنه تقليل كلفة إنتاج الكهرباء والحد من تأثير تقلبات أسعار الوقود المستورد على الاقتصاد الوطني.
نحو سيادة طاقية مستدامة
وأكد الرئيس غزالي عثمان أن تدشين المحطات الشمسية يمثل "خطوة نوعية" على طريق ترسيخ أسس التنمية المستدامة وتحقيق السيادة الطاقية لجزر القمر، مشيراً إلى أن المشروع سيساعد على تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وخفض فاتورة الطاقة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. وشدد الرئيس على أهمية مواصلة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، ولاسيما الطاقة الحرارية الجوفية، في إطار رؤية البلاد التنموية، مؤكداً أن التعاون بين جزر القمر والإمارات "يتجاوز بكثير إنجاز البنية التحتية"، ويقوم على الثقة والاحترام المتبادل والرؤية المشتركة للتنمية.
من جانبه، أكد السفير الإماراتي جمعة راشد الرميثي أن المشروع يجسد عمق العلاقات بين البلدين وترجمة الشراكة القائمة إلى مشاريع تنموية ذات أثر مباشر على حياة السكان، مشيراً إلى أن توسيع استخدام الطاقة الشمسية وتوظيف تقنيات تخزين الطاقة سيسهمان في تعزيز موثوقية إمدادات الكهرباء في الجزر الثلاث. وأوضح أن دولة الإمارات تؤمن بأهمية تنفيذ مشاريع ملموسة تمس حياة المجتمعات وتدعم النمو الاقتصادي، مؤكداً أن المشروع يمثل نموذجاً للتعاون التنموي في مجال الطاقة النظيفة.
أما مدير عام صندوق أبوظبي للتنمية، محمد سيف السويدي، فأكد أن المشروع يمثل استثماراً مستداماً في مستقبل جزر القمر، موضحاً أن التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة سيساعد على خفض كلفة الاعتماد على الوقود المستورد، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للأعمال والخدمات العامة، إلى جانب دعم بناء قدرات الكوادر المحلية وتوفير فرص العمل.
بدوره، أكد الرئيس التنفيذي لشركة «مصدر» محمد جميل الرمحي أن الطاقة المتجددة تمثل خياراً أساسياً لتعزيز أمن الطاقة والمرونة الاقتصادية، مشيراً إلى أن الجمع بين الطاقة الشمسية وتقنيات التخزين الحديثة من شأنه دعم الاحتياجات الحالية لجزر القمر وتعزيز طموحاتها التنموية على المدى الطويل.
تحديات الشبكة تفرض نفسها
وفي المقابل، حذّر وزير الطاقة والمياه والمحروقات، الدكتور أبوبكر سيد علي، من أن زيادة إنتاج الكهرباء لن تكون كافية وحدها لضمان استقرار الإمدادات، مشدداً على ضرورة تحديث شبكات نقل وتوزيع الكهرباء، وتقليل الخسائر التقنية والتجارية، وتحسين أداء الشركة الوطنية للكهرباء «سونليك». كما دعا إلى ضمان الصيانة الدورية للمعدات ونقل الخبرات والتقنيات إلى المهندسين القمريين، حتى تحقق الاستثمارات الجديدة نتائج مستدامة وتساهم بصورة فعلية في الحد من انقطاعات الكهرباء.
وتأتي هذه الاستثمارات في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء في جزر القمر تحديات كبيرة؛ إذ شكّل الديزل المستورد نحو 91% من مزيج الطاقة في عام 2024، بينما بلغ الطلب على الكهرباء نحو 254 غيغاواط/ساعة، مقابل 150 غيغاواط/ساعة فقط من التوليد الفعلي، في وقت شهدت فيه البلاد نحو ثلاثة آلاف حالة انقطاع للكهرباء. ومن المنتظر أن يعادل الإنتاج السنوي المتوقع للمحطات الشمسية الجديدة نحو 13.3% من إجمالي الطلب على الكهرباء في البلاد و22.5% من حجم التوليد الفعلي المسجل، ما يجعل المشروع إضافة مهمة إلى منظومة الطاقة الوطنية.
وأكد حاكم جزيرة أنجوان، الدكتور زيدو يوسف، أن استقرار الكهرباء يشكل شرطاً أساسياً لتحسين الخدمات الاجتماعية وتنشيط الاقتصاد، فيما وصف رئيس بلدية واني، محمد معيشة، المشروع بأنه "نعمة تمس البلاد بأكملها"، مشيراً إلى استفادة المدينة من إمداد كهربائي متواصل منذ شهر.
ومع دخول المحطات الشمسية الثلاث حيز التشغيل، تخطو جزر القمر خطوة مهمة نحو تنويع مصادر الطاقة والحد من الاعتماد على الوقود المستورد، غير أن نجاح هذه الخطوة على المدى الطويل سيظل مرتبطاً بقدرة البلاد على تحديث شبكة الكهرباء، وتحسين إدارتها، وضمان صيانة المنشآت، وتطوير الكفاءات الوطنية القادرة على تشغيل هذه البنية التحتية واستدامتها.


