استضافت العاصمة الموريتانية خلال الفترة من 10 إلى 12 فبراير الجاري النسخة السادسة من المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم تحت شعار " إفريقيا ... صناعة الأمل" وذلك بمشاركة نخبة من السياسيين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني من مختلف الدول. ويهدف المؤتمر إلى تعزيز الأمن والسلم والتنمية في القارة الافريقية. وشاركت جزر القمر في المؤتمر بوقد رفيع المستوى برئاسة جاي أحمد شانفي المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية.

 

 وكان قد انطلقت يوم الثلاثاء الماضي في نواكشوط فعاليات الملتقى الدولي السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، بمشاركة ممثلين عن عدة دول إفريقية، ومنظمات وهيئات دولية. وحضر حفل افتتاح المؤتمر الوزير الأول  الموريتاني المختار واجاي، ورئيس المؤتمر، الشيخ عبد الله بن بيه، وعدد من المسؤولين والشخصيات الموريتانية والدولية. ويهدف المؤتمر – وفق القائمين عليه – إلى بلورة رؤية "عملية لاستعادة السِّلم في القارة، عبر مقاربات تستند إلى المرجعيات العلمية والتربوية، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والمؤسسات الدينية والمدنية". وقد تضمن برنامج الملتقى تسليم جائزة السِّلم لعام 2026 إلى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، وإطلاق "قمة الأمن المائي" للمرة الأولى ضمن أعمال الملتقى، باعتبارها مدخلاً استراتيجيًا لتعزيز السِّلم والأمن في إفريقيا، حسب القائمين على المؤتمر.

وخلال فعاليات المؤتمر ألقى جاي أحمد شانفي كلمة نقل فيها تحيات رئيس الجمهورية غزالي عثمان إلى المشاركين في أعمال المؤتمر، مشيدا على حفاوة الاستقبال وحسن التنظيم للمؤتمر من قبل السلطات والشعب الموريتاني. وأشار  جاي أحمد في كلمته إلى أنه يجب أن تكون أفريقيا، بأملها أفقنا، مبدأنا التوجيهي لتحقيق هذا الأمل في السلام والاستقرار السياسي. وقال إنه التزام سياسي حافل بالطاقة والإيمان والثقة المتبادلة، إنه ثقل الحكم الرشيد، والالتزام بالعدالة، والشمول الكامل. منوها على أهمية شعار المؤتمر والذي جاء " أفريقيا .. صناعة الأمل"، حيث أن جعل الأمل أفقنا هو اعترافٌ بإمكانات أفريقيا، المتجسدة في خصوبة أرضها وشبابها النابض بالحيوية والابتكار والإبداع. 

 

موضحا بأن أفريقيا تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها: من ترسيخ المؤسسات، وتطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والتعاون بين بلدان الجنوب، والدفاع عن التعددية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، والوعي الجماعي بإدارة الأزمات والنزاعات. وينبثق هذا الزخم الجديد من تولي زمام مصيرنا الأمني ​​عبر اقتراح حلول أفريقية قائمة على الحوار والوساطة واحترام سيادة الدول. وفي هذا السياق تحدث المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية عن اتفاقية فومبوني الموقعة في السابع عشر 2001م بهدف تعزيز السلم والأمن في جزر القمر وقال " في السابع عشر من فبراير 2026، في فومبوني بجزيرة موهيلي في جزر القمر على سبيل المثال، سيُحيي شعب جزر القمر ذكرى الاتفاقية التي وقّعها عام 2001، بدعم من المجتمع الدولي. وبعد ربع قرن، لا يزال هذا العمل النبيل يُمثّل مرجعًا دبلوماسيًا وسياسيًا: مرجع شعب اختار الحوار على القطيعة، والتفاوض على المواجهة، والوحدة على الانقسام، وهو يُجسّد قدرة الدولة على تحويل الأزمة إلى فرصة للتجديد المؤسسي والأخلاقي. وقال بأن اتفاق فومبوني تم ابرامه بفضل حشد القوى السياسية والمجتمع المدني والشباب والسلطات الدينية، ولا سيما بفضل جهود فخامة الرئيس الحالي غزالي عثمان، الذي شغل منصب رئيس جزر القمر من عام ١٩٩٩ إلى عام ٢٠٠٦

.

موضحا بأنه يمثل هذا الاتفاق جزءًا من التقاليد الأفريقية في حل النزاعات سلميًا، استنادًا إلى الإنصات والحكمة الجماعية والسعي نحو التوافق. وأكد بأنه بعيدًا عن أهميته السياسية والدبلوماسية، يحمل اتفاق فومبوني معنى إنسانيًا وروحيًا عميقًا، فهو يُذكّرنا بحقيقة عالمية: السلام ليس مجرد ترتيب مؤسسي، بل هو أيضًا التزام أخلاقي وجماعي.إنه فعل إيمان بكرامة الآخر. في تراثنا الروحي، نتعلم أن المصالحة رحمة تُمنح للشعوب التي تتفق على مسامحة بعضها البعض لبناء مستقبل أفضل معًا.وكما تُذكّرنا التقاليد الدينية، "السلام نعمة يمنحها الله لمن يعمل بالعدل والصبر".

 

 وأشار جاي أحمد إلى أنه وبعد خمسة وعشرين عامًا، لا يزال هذا الدرس بالغ الأهمية، مع بزوغ النظام العالمي الجديد، تُظهر تجربة جزر القمر بوضوح أن الاستقرار الدائم ينبع من الاحترام المتبادل، والشمول السياسي، والثقة بين المجتمعات.كما إن جعل الأمل أفقًا سياسيًا يعني الاستثمار في الشباب، والصحة، والعلوم، والبيئة، والتعاون الإقليمي، بل والدولي. إن ممارسة السلم، كمسار دبلوماسي، تعني تعزيز إنسانية أفريقيا، بل والعالم أجمع، وحماية الفئات الضعيفة، ووضع الأخلاق في صميم العمل العام.وفي نهاية أكد جاي بأن أفريقيا تمضي قدمًا مدركةً أن مصيرها متشابك مع مصير العالم أجمع، كما أن بروزها ليس تهديدًا؛ بل على العكس، هو فرصة لتحقيق توازن دولي أكثر عدلًا، من خلال دعم تنميتها المستدامة، واحترام خياراتها السيادية، وتعزيز شراكاتها العادلة، تُسهم أفريقيا في تحقيق استقرار عالمي يعود بالنفع على الجميع، عسى أن يُمكّن التزامنا المشترك أفريقيا من تحقيق كامل إمكاناتها، وعسى أن يُرشد الأمل سياساتنا، وعسى أن يُنير ضميرنا الأخلاقي قراراتنا.