تحلّ ليلة الإسراء والمعراج لعام 1447هـ، مساء يوم السبت الموافق 17 يناير الجاري، وهي مناسبة دينية عظيمة يستذكر فيها المسلمون رحلة الإسراء والمعراج التي أكرم الله بها نبيه محمدًا ﷺ، بما تحمله من معانٍ إيمانية ودروس روحية سامية.
وكما تعودنا فإننا في كل عام وفي مثل هذه الأيام التي نقترب من احتفالات حادثة الإسراء والمعراج، نذكر أنفسنا حول الدروس والعبر التي نكتسبها من هذه الحادثة. والحديث عن هذه الرحلة المباركة، وما يحيط بها من دروس وعبر تكرر كثيرًا على أسماع الناس، غير أن النفوس المؤمنة لا تسأم ولا تمل من هذا الحديث مهما تكرَّر سماعها له، بل هي راغبة فيه مشتاقة إليه، وكيف لا تكون نفوس المؤمنين في أشد الشوق للحديث عن هذه الذكرى الطيبة بين الحين والآخر، وهي متعلقة بسيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم...
إ
ن "الإسراء والمعراج" تعتبر مدرسة إيمانية وتربية روحانية متكاملة، يحتاج المسلم المعاصر في خِضَمِّ الابتلاءات التي تحيط به من كل جانب أن يتذاكرها ليهنَأ نفسًا ويهدأ بالًا. يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ولقد علَّمتنا رحلة الإسراء والمعراج أنه بعد كل مِحنة منحة، فلقد تعرض النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمحن عظيمة لو تعرَّضت لها الجبال الصماء لاندكَّت مِن هولها، غير أن الله ألْهَمه الصبر، فقد توفي أبو طالب عم رسولنا صلى الله عليه وسلم، وتوفيت زوجه الكريمة خديجة، وهذه قريش قد سَدَّت في وجه رسولنا صلى الله عليه وسلم كل طرق الدعوة في مكة، وأبرمت حصارًا رهيبًا ضد الدعوة الإسلامية ورجالاتها من كل جانب، فذهب حبيبنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، لعله يجد نواة تساند دعوة الحق هناك، غير أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد من قبيلتي ثقيف وهوازن غير الصد والإعراض، وأغروا سفهاءهم برسولنا صلى الله عليه وسلم، فوقفوا صفين وأخذوا يرمونه بالحجارة وبكلمات كلها سوء وسفه، ورجموا عراقيبه صلى الله عليه وسلم حتى اختضب نعلاه بالدماء، فاصطفاه الله لهذه الرحلة المباركة تكريمًا لصبره صلى الله عليه وسلم..
وهذا الربط بين المسجدين لم يأت سدى، بل إن له دلالات وفوائد منها بيان أهمية المسجد الأقصى في الاعتقاد الإسلامي؛ إذ أصبح مسرى رسولنا ونقطة انطلاقه إلى رحلة المعراج السماوية، وهذا توجيه للمسلين أن يحبُّوا المسجد الأقصى، وبيت المقدس كاملة، فهي أرض مباركة بنص القرآن [المسجد الأقصى الذي باركنا حوله]، ووالله إن الربط بينهما يشعرنا أن أي تهديد للمسجد الأقصى هو تهديد للحرم المكي الشريف، وهذا والله هو عين الحقيقة، ولن أسبح في غياهب الخيال، بل هذا هو عين ما نطقت به "غولدمائير رئيسة وزراء الصهاينة" بعد احتلال عصابة الصهاينة لبيت المقدس، فقد وقفت على شاطئ خليج العقبة وهي تقول: "إنني أشم رائحة أجدادي في المدينة والحجاز، وهي بلادنا التي سوف نسترجعها"، هكذا قالت خبيثة بني صهيون، فبالله عليكم لا تنسوا قضيتكم وربُّوا أجيالكم على أن الأقصى عقيدة؛ حتى لا تموت تلك العقيدة في النفوس، علِّموهم أن الصهاينة مجرمون فجرة، وأن اتحادنا قوة، وحفظوهم أن تفرُّقَنا ضعف، فإن اليهود اليوم يتصرفون في مسجدنا الأقصى قبلتنا الأولى ومسرى رسولنا وكأنه ممتلك لهم ولآبائهم.
وبعد ذلك كانت رحلة المعراج، وفيها رأى النبي صلى الله عليه وسلم عجائب لم يرها غيره، وفي هذا بيان لعظم مكانة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة النجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.
وفي هذا المشهد المهيب وفي هذه اللحظة التي أهل الله لها نبيه صلى الله عليه وسلم افترض الله على الأمة فريضة الصلاة التي تكاسلنا وانتكسنا فيها نسأل الله لنا جميعا الهداية.
ندعو المولى عز وجل أن يجعلنا ممن يستفيدون من تلك الدروس المتعلقة بالإسراء والمعراج.
محمد حسين دحلان
باحث في الشريعة الإسلامية


