دعا رئيس الجمهورية، غزالي عثمان، المجتمع الدولي إلى استعادة الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، وتعزيز سيادة القانون والمساواة بين الدول، وإجراء إصلاحات عميقة في النظام المالي الدولي، مؤكدًا أن التحديات العالمية الراهنة تتطلب تضامنًا دوليًا أكبر واستجابات جماعية تتجاوز منطق القوة والمصالح الضيقة.
جاء ذلك في الخطاب الذي ألقاه الرئيس غزالي عثمان، أمس الخميس 24 سبتمبر الجاري، أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث تناول عددًا من أبرز القضايا الدولية والإقليمية، إلى جانب أولويات جزر القمر في مجالات التنمية والسلام والأمن والتمويل الدولي والتغير المناخي، فضلًا عن قضية الوحدة الترابية للبلاد. وفي مستهل كلمته، أعرب الرئيس القمري، باسم الوفد المشارك، عن شكره للسلطات الأمريكية على الترتيبات المتعلقة باستقبال الوفد وإقامته في نيويورك، كما هنأ الدكتور خليل الرحمن بمناسبة توليه رئاسة الدورة الـ81 للجمعية العامة، مشيدًا في الوقت نفسه بجهود رئيسة الدورة السابقة، أنالينا بيربوك. كما أثنى على جهود الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في دعم السلام والتنمية، متمنيًا النجاح لمن سيتولى قيادة المنظمة الدولية بعد انتهاء ولايته.
دعوة إلى تجديد التعددية وتعزيز الثقة
وأكد غزالي عثمان أن العالم يواجه أزمة ثقة تجاه المؤسسات الدولية، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات يُنظر إليها، في أحيان كثيرة، على أنها تعجز عن تحقيق المساواة في تطبيق القانون وتضع اعتبارات القوة والمصالح فوق المبادئ التي يفترض أن تحكم النظام الدولي. ودعا إلى تجديد التعددية الأطراف على أساس الوحدة والمصداقية والمساواة، مع ضمان أن تعكس القيادة المقبلة للأمم المتحدة تطلعات الدول النامية، وإيلاء اهتمام خاص بالدول الجزرية والدول الأكثر هشاشة. وقال إن العالم يقف أمام مفترق طرق، في ظل اتساع أوجه عدم المساواة، وتصاعد التحديات المناخية، وتراجع مستويات الأمن والاستقرار في مناطق مختلفة، فيما لا تزال أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 بعيدة عن التحقيق الكامل. وشدد على أن استعادة الثقة والاحترام المتبادل والمساواة أمام القانون تمثل مسؤولية جماعية، داعيًا إلى الانتقال من الوعود إلى إجراءات عملية تعزز سيادة القانون والأمن الجماعي.
وتطرق الرئيس القمري إلى الأوضاع الأمنية في عدد من مناطق العالم، مشيرًا إلى استمرار معاناة المدنيين جراء النزاعات في الشرق الأوسط والساحل ومنطقة البحيرات العظمى وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. وأكد أن استمرار هذه الأزمات يطرح تحديات أمام فعالية المؤسسات الدولية، داعيًا إلى تجاوز منطق القوة وإرساء مقاربة إنسانية قادرة على التعامل مع التحديات المشتركة، بما فيها تغير المناخ والذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة. وأكد غزالي عثمان أن الحق في التنمية يجب أن يشكل إحدى ركائز العمل متعدد الأطراف، من خلال تسهيل الوصول إلى التمويل المستدام وتقليص أوجه عدم المساواة بين الدول. وفي هذا السياق، شدد على ضرورة إجراء إصلاحات عميقة في النظام المالي الدولي، بما يراعي خصوصية الدول الجزرية الصغيرة ومستوى هشاشتها الاقتصادية والمناخية، ولا سيما عند وضع سياسات التمويل وتخصيص الموارد. واستشهد الرئيس القمري بالكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي، مؤكدًا أن تعاون الدول وتضامنها لا ينبغي أن يكونا مرتبطين بغياب الأزمات، بل بقناعة أن العمل الجماعي يجعل الشعوب والدول أكثر قدرة على مواجهتها.
غزالي يجدد موقف جزر القمر بشأن مايوت
وفي أبرز الملفات الوطنية التي تناولها الخطاب، جدد الرئيس غزالي عثمان تأكيد موقف جزر القمر بشأن قضية مايوت، مشددًا على تمسك بلاده بوحدتها الترابية وفقًا للقانون الدولي. وقال إن جزر القمر تواصل، منذ عقود، مساعيها لاستكمال وحدتها الترابية، معتبرًا أن استمرار الوجود الفرنسي في جزيرة مايوت، وفق ما عرضه في خطابه، لا يزال يمثل عقبة أمام التوصل إلى تسوية سلمية للقضية. وأعرب عن أسفه لعدم تحقيق الحوار الذي بدأته جزر القمر مع فرنسا للنتائج المرجوة، منتقدًا الإجراءات الفرنسية التي وصفها بالأحادية، ومجددًا رفض بلاده لبعض مبادرات التعاون مع السلطات المحلية في مايوت، وكذلك ربط المساعدات الإنمائية بقضايا الهجرة. وأكد الرئيس غزالي عثمان أن سيادة جزر القمر على أرخبيلها، بحسب موقف بلاده، ليست محل تفاوض، مستندًا إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أشار إليها في خطابه، وداعيًا فرنسا إلى اعتماد مقاربة جديدة تتيح معالجة القضية في إطار التحولات الجيوسياسية الراهنة.
إشادة بإدراج المدن التاريخية القمرية على قائمة التراث العالمي
وفي المجال الثقافي، أعرب الرئيس غزالي عن تقديره لإدراج ست مدن تاريخية مرتبطة بالسلطنات القمرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، خلال الدورة الأخيرة للجنة التراث العالمي في بوسان. ووصف هذا الاعتراف بأنه ثمرة سنوات طويلة من العمل، معتبرًا أنه يمثل إنجازًا مهمًا لجزر القمر، وموجهًا الشكر إلى مختلف الشركاء الذين أسهم دعمهم الفني والمالي في الوصول إلى هذا الإنجاز. وفي الشأن الاقتصادي، أكد الرئيس القمري أن التنمية تظل في صميم طموحات بلاده، مستعرضًا مسار تنفيذ خطة جزر القمر الناشئة التي أطلقت عام 2019 بهدف تحديث البنية التحتية، وتنشيط القطاع الخاص، وخلق فرص عمل، خصوصًا للشباب. وأشار إلى أن تنفيذ الخطة يتطلب تمويلًا يقدر بنحو 5.2 مليارات دولار على مدى عشر سنوات، لافتًا إلى ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 1.9% عام 2019 إلى 3.8% عام 2025. ومع ذلك، أقر بأن الطريق لا يزال طويلًا، وأن جزر القمر بحاجة إلى حشد مزيد من الموارد المالية الداخلية والخارجية لتحقيق أهدافها، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل وصعوبة الوصول إلى التمويلات الميسرة.
وأكد أن مؤشرات الدخل وحدها لا تعكس بصورة كاملة حجم التحديات التي تواجه الدول الجزرية الصغيرة، داعيًا إلى إعادة النظر في آليات النظام المالي الدولي بما يراعي هشاشة هذه الدول واحتياجاتها التنموية. وأعلن غزالي عثمان دخول جزر القمر مرحلة جديدة لتسريع تنفيذ خطة "جزر القمر الناشئة" خلال الفترة 2027-2030، داعيًا الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف والقطاع الخاص إلى دعم هذه المرحلة وتحويل أهداف الخطة إلى مشاريع ونتائج ملموسة ومستدامة. وحذر الرئيس القمري من انعكاسات الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، ولا سيما في الشرق الأوسط، على الاقتصادات الهشة، موضحًا أن اعتماد جزر القمر بدرجة كبيرة على الواردات يجعل اقتصادها عرضة لتداعيات التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد. وأشار إلى أن استمرار الأزمات الدولية قد ينعكس على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للسكان، داعيًا إلى تعزيز التضامن الدولي لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمات العالمية.
جزر القمر تستعد لأول استضافة لألعاب المحيط الهندي
وفي المجال الرياضي، أعلن غزالي عثمان أن جزر القمر تستعد لاستضافة ألعاب جزر المحيط الهندي للمرة الأولى في تاريخها، في موعد يوافق العام المقبل. ووصف الحدث بأنه محطة مهمة لشباب المنطقة، وفرصة لتعزيز التقارب والتماسك بين شعوب المحيط الهندي، في ظل ما يشهده العالم من انقسامات وتوترات متزايدة. ووجه، باسم الشعب القمري، الشكر إلى الدول والشركاء الذين قدموا الدعم لجزر القمر من أجل إنجاح هذا الاستحقاق الرياضي ذي البعد الإقليمي، مؤكدًا تطلع بلاده إلى تنظيم دورة ناجحة تعكس طموحات شباب منطقة المحيط الهندي. وفي ختام خطابه، دعا الرئيس غزالي عثمان إلى عمل دولي واسع لإعادة بناء الثقة بين الدول على أساس الإنصاف والعدالة والتضامن، مؤكدًا ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى جعل الأمم المتحدة أكثر مصداقية وقدرة على الاستجابة للتحديات العالمية. وشدد على أن العمل الجماعي والتضامن الدولي يظلان عنصرين أساسيين في مواجهة الأزمات المشتركة، وتعزيز قدرة المجتمع الدولي على بناء مستقبل يقوم على التعاون واحترام التنوع وخدمة الإنسانية.


