في أمسية ثقافية استحضرت صفحات مضيئة من تاريخ جزر القمر العلمي والثقافي، أعادت الديوانية الحمدية للثقافة العربية في جزر القمر تسليط الضوء على سيرة أحد أبرز رواد النهضة التعليمية والدعوية في الأرخبيل خلال القرن العشرين، وذلك من خلال محاضرة ألقاها مؤسس الديوانية، الدكتور حامد كرهيلا، يوم السبت 8 أغسطس الجاري، بعنوان: "السيد هادي بن أحمد الهدار الحضرمي وجهوده في النهضة العلمية والثقافية بجزر القمر".
وشهدت الفعالية حضور نخبة من المثقفين ورواد الديوانية، إلى جانب عدد من طلبة مدرسة الفلاح الإسلامية بموروني، المؤسسة التي أسسها الهدار عام 1969. وقد منح حضور طلاب المدرسة للمناسبة دلالة رمزية خاصة، إذ التقى الجيل الذي يواصل مسيرة المؤسسة بسيرة مؤسسها الذي ترك بصمة بارزة في التعليم العربي والإسلامي في جزر القمر. وافتُتحت الفعالية بتلاوة عطرة من القرآن الكريم، تلاها الطالب حمد بن حامد كرهيلا، الذي أتم هذا العام دراسته الثانوية في سن الخامسة عشرة، فيما تولى الأستاذ إبراهيم سعد تقديم المحاضرة وإدارة الجلسة.
من حضرموت إلى جزر القمر
استعرض الدكتور كرهيلا خلال محاضرته المسيرة العلمية والدعوية والثقافية للسيد هادي الهدار، منذ ولادته ونشأته في عينات بحضرموت، مرورًا برحلته العلمية والدعوية في شرق أفريقيا، وتوليه منصب القضاء في زنجبار عام 1953، ثم انتقاله إلى رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، قبل وصوله إلى جزر القمر عام 1968 مستشارًا ثقافيًا لرئيس حكومة الحكم الذاتي، ومندوبًا لرابطة العالم الإسلامي.
وتوقف المحاضر عند أبرز محطات تجربة الهدار في جزر القمر، وفي مقدمتها تأسيس مدرسة الفلاح الإسلامية، التي لم تقتصر رسالتها على التعليم، وإنما تحولت إلى مشروع متكامل لترسيخ اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وإعداد جيل من المعلمين والدعاة والكوادر الوطنية. كما تناول جهود الهدار في دعم اتحاد طلبة الفلاح، وتوفير الكتب والمناهج والمنح الدراسية، إلى جانب رحلاته إلى عدد من الدول العربية للتعريف بجزر القمر، وتعزيز صلاتها بمحيطها العربي والإسلامي.
التعليم جسراً بين جزر القمر والعالم العربي
وأبرز المحاضر كذلك الدور الذي اضطلع به الهدار في التعريف بالقضية القمرية من خلال الصحافة العربية، واستقطاب الزيارات الدعوية والثقافية إلى الأرخبيل، مؤكدًا أن مشروعه تجاوز حدود المدرسة والتعليم ليشمل بناء جسور ثقافية وحضارية بين جزر القمر والعالم العربي والإسلامي.
كما تناول جانبًا من مسيرته بعد مغادرته جزر القمر في أعقاب التحولات السياسية التي أعقبت الاستقلال، حيث انتقل إلى أبوظبي، وواصل نشاطه الدعوي والثقافي، وأسهم في الحفاظ على جسور التواصل بين جزر القمر ودولة الإمارات، وصولًا إلى الزيارة الرسمية للرئيس أحمد عبد الله بن عبد الرحمن إلى أبوظبي عام 1979.
وعقب المحاضرة، فُتح باب النقاش والمداخلات، بمشاركة الأستاذ الخطيب نور الدين محمد طويل، خطيب وإمام جامع المركز الإسلامي بدرانسي بضاحية باريس، والسيد أحمد سيد سالم دحلان، والأستاذ راشد أبو بكر، القنصل العام السابق، إلى جانب عدد من الحاضرين والمتابعين.
وأثرت المداخلات النقاش حول شخصية الهدار وإرثه العلمي والثقافي، وحولت اللقاء من مجرد عرض تاريخي إلى مساحة لاستحضار الذاكرة والشهادة، حيث التقت الرواية بالتوثيق، والتجربة بالبحث، في محاولة لإبراز إسهامات رجل ما تزال آثاره حاضرة في مؤسسات التعليم وفي ذاكرة أجيال من أبناء جزر القمر.
الهدار.. العالم والداعية والشاعر
وفي ختام المحاضرة، انتقل الدكتور كرهيلا إلى جانب آخر من شخصية الهدار، تمثل في موهبته الأدبية والشعرية، مستعرضًا قصيدة أهداها الهدار إلى الرئيس أحمد عبد الله بن عبد الرحمن عقب عودته إلى الحكم عام 1978، لتكون خاتمة أدبية لمحاضرة جمعت بين التاريخ والعلم والدعوة والأدب. وكشفت المحاضرة عن شخصية لم تقتصر رسالتها على التعليم والدعوة، بل حملت مشروعًا متكاملًا يؤمن بأن نهضة جزر القمر تبدأ من المدرسة والكتاب والثقافة، وأن تعزيز صلتها بمحيطها العربي والإسلامي يمر عبر بناء الإنسان وتكوين الأجيال.
ولعل أكثر مشاهد المناسبة دلالة كان حضور طلاب مدرسة الفلاح الإسلامية التي أسسها الهدار قبل أكثر من نصف قرن، وهم يستمعون إلى سيرة مؤسس مؤسستهم التعليمية. وهي صورة تختزل معنى الاستمرارية، وتؤكد أن غرس العلم لا ينتهي برحيل صاحبه، بل تظل ثماره حاضرة في الأجيال المتعاقبة.
وتأتي هذه المبادرة الثقافية في إطار الجهود الرامية إلى توثيق ذاكرة جزر القمر واستعادة سير روادها، بما يسهم في تعريف الأجيال الجديدة بالشخصيات التي أسهمت في بناء الحياة العلمية والثقافية والتعليمية في البلاد. رحم الله السيد هادي بن أحمد الهدار الحضرمي، وجزاه عن العلم والدعوة والتعليم وخدمة جزر القمر خير الجزاء.



