نظّمت الحكومة القمرية، يوم الثلاثاء 17 فبراير الجاري، احتفالًا رسميًا حاشدًا في ساحة الاستقلال بمدينة فومبوني، عاصمة جزيرة موهيلي، بمناسبة مرور ربع قرن على توقيع اتفاقية الإطار للمصالحة الوطنية في جزر القمر.

 

وشهد الحفل، الذي انطلق في تمام الساعة الثامنة صباحًا واستمر حتى منتصف النهار، مشاركة أكثر من 700 شخص من مختلف الجزر المكون للأرخبيل، بحضور شخصيات وطنية بارزة، من بينهم أعضاء في الحكومة، وساحة مفتي الجمهورية، ورئيس البرلمان الوطني، إلى جانب ضباط من الجيش الوطني للتنمية. كما حضره عدد من الدبلوماسيين المعتمدين، من بينهم سفراء تنزانيا، والمملكة العربية السعودية، وفرنسا، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، والممثل المقيم لمنظومة الأمم المتحدة.

 

وافتتحت حاكمة جزيرة موهيلي، شامينا بنت محمد، فعاليات الحفل، مؤكدة الأهمية التاريخية لاتفاقية فومبوني، ومشيرة إلى أنها شكّلت منعطفًا حاسمًا في مسار الدولة القمرية. وقالت إن الشعب القمري، قبل خمسة وعشرين عامًا، اختار الحوار بدل الانقسام، والتشاور بدل المواجهة، والمصالحة بدل القطيعة، معتبرة أن الاتفاقية أرست دعائم الإطار المؤسسي للدولة وأعادت ترميم الوحدة الوطنية. وتخللت المناسبة تلاوة آيات من القرآن الكريم، إلى جانب عرض فيلم وثائقي تضمّن شهادات لعدد من الفاعلين في مسار المصالحة، تحت عنوان "ربع قرن من السلام"، من بينهم الراحل الشيخ محمد حسن علي، الذي شبّه الاتفاقية بـ"أرض مشتركة للزراعة، لابد أن يتقاسم الجميع حراثتها وغرسها وحصادها".

 

محطة مفصلية في التاريخ الوطني

 

وفي كلمته بهذه المناسبة، أكد رئيس الجمهورية غزالي عثمان مشروعية النقاش الديمقراطي وتعدد الآراء، داعيًا في الوقت ذاته إلى إجماع وطني صريح حول مبدأ وصفه بالمقدس، وهو وحدة البلاد وعدم قابليتها للتجزئة. وشدد على أن الاختلاف السياسي يجب ألا يتحول إلى ذريعة للمساس بالسلام أو بالمنجزات المؤسسية. ودعا الرئيس المواطنين إلى تغليب المصلحة العليا للبلاد على الطموحات الحزبية، والمشاركة في ترسيخ الوحدة الوطنية التي أُعيد بناؤها عقب توقيع اتفاقية المصالحة. وأوضح أن إحياء ذكرى الاتفاقية لا يهدف إلى تمجيد الماضي، بل إلى الاعتراف بخيار الحوار الذي أنقذ البلاد في لحظة مفصلية من تاريخها.

 

وأكد رئيس الجمهورية أهمية يوم 17 فبراير، الذي أُقرّ عطلة رسمية، معتبرًا إياه أحد أبرز التواريخ الجامعة في التاريخ الوطني الحديث بعد الاستقلال، لما مثّله من سدٍّ أمام تفكك الدولة، وإعادة بناء الثقة بين الجزر والشعب القمري. وأضاف أن اتفاقية فومبوني أصبحت نموذجًا للحل السلمي للنزاعات، ليس فقط في الدول الجزرية الصغيرة، بل على مستوى القارة الأفريقية، لما تحمله من رسالة عالمية مفادها أن الخلافات يمكن تحويلها إلى ميثاق للمستقبل.

 

المعارضة شريك في الديمقراطية

 

وتطرق الرئيس غزالي إلى مسار حل الأزمة الانفصالية، مشيدًا بالتضحيات التي قُدّمت، وبالدور الذي لعبته مختلف الأطراف السياسية. وأكد أن المعارضة جزء أصيل من النظام الديمقراطي، شريطة أن تبقى الوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية فوق كل اعتبار. ووجّه شكره لعدد من قادة المعارضة وشخصيات المجتمع المدني، مؤكدًا أن اتفاقية فومبوني ملك لجميع القمريين، وليست حكرًا على حكومة أو حزب أو شخصية بعينها. وفي سياق حديثه عن المسار الدستوري، ذكّر الرئيس بتاريخ 26 مايو، الذي ارتبط بتنصيب الرؤساء المنتخبين منذ عام 2002، معتبرًا إياه رمزًا للتداول السلمي على السلطة. وجدّد التزامه بتسليم السلطة في عام 2029 إلى رئيس منتخب من جزيرة أنجوان، احترامًا لمبدأ التناوب.

 

شهادات ودعوات للاستدامة

 

وشهد الحفل تقديم شهادات من عدد من الشخصيات التي واكبت مسار المصالحة، استعرضت المراحل الأساسية للحوار من بريتوريا وأديس أبابا إلى فومبوني. كما أكد ممثلو البعثات الدبلوماسية دعمهم المستمر للسلام والاستقرار في جزر القمر، محذرين من هشاشة السلام وضرورة صيانته. واختُتمت الفعاليات بإزاحة الستار عن نصب تذكاري في ساحة الاستقلال، في احتفال اتسم بالهدوء والانضباط، رغم السياق السياسي والاجتماعي المتوتر، وسط دعوات إلى جعل ذكرى اتفاقية فومبوني محطة سنوية لترسيخ الذاكرة الوطنية وتعزيز الوحدة.