تمرَ علينا هذه الأيام الذكرى السادسة لوفاة سماحة المفتي الأكبر سيد طاهر: (1942-2020م)، فقد توفي يوم 14شعبان 1442هـ الموافق 8 أبريل 2020م، بعد حياة حافلة بالتربية والتعليم والنصح والتوجيه لإصلاح الدولة والشعب، رحل صبيا إلى زنجبار وتلقى العلم في جوامعها لدى أكابر علمائها، حاز على منحة دراسية مع طلاب زنجباريين للدارسة في جامعة الأزهر عام 1956م، ليكون القمريَ الثاني الذي يلتحق بجامعة الأزهر، فقد سبقه إليها سمو الأمير سيد علي بن عمر المسيلي، مكث فيها خمس سنوات (1876-1880م)، ودرس الشريعة الإسلامية والقانون.
بقلم/ الدكتور نور الدين باشا ✍️
الأستاذ المشارك بكلية الإمام الشافعي
وصل سيد طاهر إلى القاهرة بعد أربع سنوات من قيام ثورة الضباط الأحرار عام 1952م التي أطاحت بالحكم الملكي بمصر، بقيادة الرئيس عبد الناصر، وكانت في مصر يومئذ -وإلى اليوم- قوتان تتصارعان على قيادة الدولة والمجتمع، هما الجيش المصريَ وجماعة الإخوان المسلمين، ثورة اشتراكية بقيادة الزعيم عبد الناصر، الداعم القويَ لحركات التحرر في أفريقيا ضدَ الاستعمار الغربيَ، وثورة إسلامية بقيادة حسن البنا، زعيم جماعة الإخوان المسلمين، تدعو إلى إصلاح المجتمع وبنائه طبقا لقواعد الإسلام وتعاليمه.
حصل من معهد البعوث على الشهادة الثانوية الأزهرية عام 1959م، وكان ترتيبه الخامس والعشرين، ثم التحق بكلية الشريعة ونال منها على العالمية (الليسانس) عام 1964م، ثم نال درجة الدبلوم العالي في التربية من كلية دار العلوم، كان أثناء وجوده في القاهرة يتردد على صالونات الأدب والثقافة التي يشهدها كبار أدباء مصر والعالم العربي، مثل الدكتور طه حسين، أحمد أمين، ومحمود عباس العقاد...، فجمع بين العلوم الإسلامية الأصيلة من جوامع زنجبار، وبين التخصص الأكاديمي الدقيق في علوم الشريعة من جامعة الأزهر، وبين ثقافة أدبية وسياسية وافية من صالونات الأدب في القاهرة، كانت القاهرة يومئذ تمتلئ بزعماء الحركات الإفريقية التحررية كما كانت تزخر بالأدباء والمفكرين العظام الذين أتحفوا الدنيا وشغلوا الناس.
من زنجبار إلى الأزهر… مسيرة علم وتكوين
رجع العلامة سيد طاهر إلى أرض الوطن عام 1967/1968م، والمخابرات الفرنسية له بالمرصاد، فقد انتشرت مبادئ الحركات الثورية إسلامية وغير إسلامية خارج مصر كالنار في الهشيم، فكان همَ المخابرات الفرنسية أن تعلم عما إذا كان سيد طاهر رجع ثوريا اشتراكيا أم رجع حاملا لفكر وعقيدة الإخوان المسلمين؟ فكانت تراقبه أينما نزل وتحلَل اتصالاته وأقواله كلَما نطق، ووظفت المخبرين عنه في سفره وإقامته في ليله ونهاره، نقلا عن الدكتور وليد أحمد..
والحق أنَه كان في أول عهده بمصر متأثرا بمبادئ الإخوان المسلمين، بدليل أنه أرسل مذكرة تحتوي على مبادئهم وأفكارهم إلى زملائه في زنجبار: (محمد شريف، سيد ذا النون، محمد سيد عثمان)، كان هؤلاء الثلاثة يجتمعون ويتدارسون ما جاء فيها، وقد قال عنها الشيخ سيد محمد عثمان: "إنَ المذكرة كانت تحتوي على قواعد عظيمة كفيلة بإصلاح المجتمع وتصحيح مساره من كل جوانبه". سوى أنَ الأحداث الدامية التي وقعت بين الجيش المصريَ وجماعة الإخوان المسلمين، كانت كفيلة بتغيير وجهة الطالب الشاب، باتجاه أفكار ومبادئ الرئيس عبد الناصر، كان معجبا به وبأقواله، ينقلها ويشرحها على المنابر وأثناء محاضراته، في حين لم يجر يوما على لسانه ذكر الطرف الثاني من المعادلة المصرية، حسب قول المتابعين.
وحينما استقلت كينيا عن التاج البريطاني عام 1963م، أقيم في القاهرة مهرجان احتفالي ابتهاجا بالحدث، فكان الطالب القمريَ سيد طاهر المتحدث الرسمي باسم طلاب إقليم شرق أفريقيا، وفي أحداث زنجبار عام 1964م، كانت ميول سيد طاهر إلى الحركة الأفريقية الثورية، وانخرط ناشطا مع شبابها في القاهرة، وفي طريق عودته استقبله في مكتبه الرئيس عبيد كرومى، والتمس منه إعادة فتح المعهد الإسلامي، في حين طلب منه الرئيس كرومي العودة إلى جزر القمر وألا يمكث في زنجبار. حسب قول الأستاذ عبد الوهاب عيداروس..
العودة إلى الوطن تحت عين الاستعمار
وعندما عاد إلى الوطن عام 1968م، اتخذ الزعيم الاشتراكي علي صالح صديقا ورفيقا له دون غيره من القيادات السياسية الوطنية التي كان يعتقد أنَهم أقرب إليه منه، قام بإخراج كتبه من الميناء وحملها في سيارته إلى بيته، وطلب له منحة إلى فرنسا لدراسة الفرنسية، وكان يحضر دروسه الدينية في مدينة انتسوجيني ويعلَق تعليقات علمية راقية، ولكن وقع بينهما الخلاف ثم الفراق بعد قيامه بالانقلاب على الحكومة الشرعية يوم 3 أغسطس، بتدبير فرنسيَ كامل، أي بعد 27 يوما من إعلان الاستقلال يوم 6 يوليو 1975م، فقد أدرك الشاب الأزهريَ المخلص لدينه ووطنه، أنَ الزعيم هو مجرَد ألعوبة تعبث بها يد الاستعمار، سوى أنَ النهج السياسيَ الاشتراكي الذي انتهجه الزعيم علي صالح دلَ على أنه كان داهية سياسيا، فقد طرد الفرنسيين عن بكرة أبيهم بعد الانقلاب، بعد غدروا به بعدم إعادة جزيرة مايوت إلى السيادة القمرية، وهو الشرط الذي وافق بموجبه على الانقلاب، وقام بتوثيق علاقاته مع الكتلة الاشتراكية خاصة جمهورية الصين الشعبية، مما جعل الفرنسيين ينقلبون عليه ويقتلونه غيلة عام 1978م، بمشاركة دول عربية مسلمة بحجة مقاومة الشيوعية أثناء الحرب الباردة.
وقف سيد طاهر على ضفاف نهر السياسة حينا دون الخوض في غمارها، مقتنعا بدور القائد الديني في التوجيه والإرشاد ونشر العلم والمعرفة، راضيا بمنهج التصوف السني الذي وجد عليه آباءه من السادة العلوية، فعاش فيلسوفا واقعيا متواضعا، يجيب الدعوات دون تمييز، فقد استوعب حقيقة مرَة ومستمرة، هي: "أنَ رجال السياسة حكومة ومعارضة يدرسون منهجا واحدا، في فصل دراسيَ واحد، لدى المعلَم نفسه، وعليه يظلَ سبيل التغيير والبناء والإصلاح بعيد المنال".
وقد ذكر البروفسيور دمير بن علي بأنَ: "الشيخين سيد طاهر ومحمد شريف كان لهما دور عظيم في تثبيت أصل الإسلام وتوطيد الهوية الوطنية للشعب في فترة نهاية الستينات وبداية السبعينات، فقد كانت المخططات الغربية تقضي باجتثاث الوجود العربيَ الإسلاميَ من شرق أفريقيا إثر أحداث زنجبار، فكان من تمام الحكمة انصرافهما إلى منهج التصوف والتوافق مع الشعب في نمط تديَنه الموروث، وإلاَ لكان الحال مختلفا اليوم". كان سيد طاهر إلى جانب قيادته الدينية سدا منيعا في وجه التيارات المنحرفة، ومتحدثا فصيحا باللغة القمرية، فصار نقطة التقاء وإجماع الأمة، لولا موقفه السياسيَ الأخير الذي سبَب له أذى كثيرا، مضى شهيدا ولسان حاله يقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكان لي في المسألة قول آخر.


