وُوري الثرى، الثلاثاء الماضي، جثمان وزير المالية الأسبق علي ناصر في مسقط رأسه بمدينة ميتساميهولي، في جنازة رسمية مهيبة تخللتها مراسم عسكرية، بحضور كبار مسؤولي الدولة، وأفراد أسرته، وحشد كبير من المواطنين الذين حرصوا على توديع أحد أبرز الوجوه السياسية والإدارية في تاريخ جمهورية جزر القمر.
ويُعدّ الفقيد من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في الحياة السياسية والمؤسسية للبلاد، إذ شغل العديد من المناصب العليا، وكان مرشحًا للانتخابات الرئاسية عام 2016، كما عُرف بقربه من رئيس الجمهورية غزالي عثمان. وكان علي ناصر قد توفي في 16 يوليو الجاري بأحد مستشفيات جزيرة موريشيوس، حيث كان يتلقى العلاج، قبل أن يُنقل جثمانه إلى جزر القمر ليُشيَّع في جنازة وطنية، تقديرًا لمسيرته الطويلة في خدمة الدولة. وشهدت مراسم التشييع حضورًا رسميًا وشعبيًا واسعًا، حيث شارك فيها مسؤولون حكوميون، وقيادات سياسية، وشخصيات وطنية، إلى جانب أبناء مدينة ميتساميهولي، الذين ودعوا أحد أبرز أبنائها. ومنحت السلطات القمرية الفقيد جنازة عسكرية كاملة، تكريمًا لما قدمه من خدمات للدولة على مدى عقود.
وفور إعلان نبأ وفاته، نعى الرئيس غزالي عثمان الراحل، واصفًا إياه بأنه أحد رجالات الدولة الذين تركوا أثرًا عميقًا في مؤسساتها، مستذكرًا المناصب الرفيعة التي تقلدها، ومن بينها مدير ديوان رئاسة الجمهورية، ووزير المالية، والمستشار الخاص لرئيس الجمهورية. وخلال مراسم التأبين، قدّم الوزير الأول أبو بكر سيد علي، متحدثًا باسم رئيس الجمهورية والحكومة، تعازي الدولة إلى أسرة الفقيد، مؤكدًا أن التكريم الذي حظي به يعكس تقدير الجمهورية لما قدمه من إسهامات في ترسيخ مؤسسات الدولة وخدمة الوطن.
أحد مؤسسي الإدارة المالية الحديثة
وفي كلمة ألقاها نيابة عن أهالي مدينة ميتساميهولي، استعرض فيصل موسى المسيرة المهنية والوطنية للراحل، مشيرًا إلى أنه كان من الكفاءات التي ساهمت في بناء مؤسسات الدولة عقب الاستقلال. وأوضح أن علي ناصر شغل على التوالي مناصب المدير العام للجمارك، والأمين العام لوزارة المالية، ثم أول مدير عام لأول بنك تجاري في جزر القمر، وأسهم في تحديث الإدارة المالية والمصرفية، ووضع أسس عدد من المؤسسات الاقتصادية الوطنية. كما استعرض العلاقة التي جمعته بالرئيس غزالي عثمان منذ بدايات مسيرته العسكرية، قبل أن تتطور لاحقًا في إطار العمل الوطني. وأشار إلى أن الفقيد خاض الانتخابات الرئاسية عام 2016 بصفته مرشحًا مستقلاً، مقدمًا برنامجًا ركز على إصلاح منظومة الحكم وتعزيز التنمية الاقتصادية. وقال فيصل موسى: "طوال مسيرته المهنية، نجح في الجمع بين النزاهة في إدارة الشأن العام والرؤية الاقتصادية في خدمة الوطن."
ولم تقتصر إسهامات علي ناصر على العمل الحكومي، بل امتدت إلى المجالين الثقافي والاجتماعي، حيث كان من الشخصيات المؤثرة في الحياة العامة بمدينة ميتساميهولي، وحرص على دعم الشباب وتشجيع الأنشطة الثقافية. ومن أبرز أعماله المسرحية "حكيم زينة تحت البادامير"، التي تركت أثرًا واسعًا لدى أجيال من أبناء المدينة، كما كان مؤسسًا ورئيسًا لمنظمة "الاتحاد"، التي لعبت دورًا بارزًا في دعم الأنشطة الرياضية والثقافية المحلية. وأكد فيصل موسى أن إرث الراحل سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، مضيفًا: "لقد فقدت ميتساميهولي أبًا وأخًا أكبر ونورًا هاديًا."
إرث سياسي وفكري خالد
من جانبه، أعرب الشيخ معاذ مسيدي، الناطق باسم مدينة ميتساميهولي، عن شكره لرئيس الجمهورية والحكومة على تنظيم جنازة عسكرية تليق بمكانة الفقيد، داعيًا أبناء الوطن إلى التحلي بالصبر والتماسك في مواجهة هذا المصاب. وأكد أن جزر القمر فقدت برحيل علي ناصر أحد أبرز رجالاتها في التاريخ السياسي المعاصر، إذ جمع بين العمل السياسي والإداري، والنشاط المجتمعي، والإنتاج الفكري. وفي عام 2025، أصدر الراحل كتابه الأخير بعنوان «بين التقاليد والعواصف: حياة في خدمة جزر القمر»، وثّق فيه أبرز محطات حياته، واستعرض رؤيته لتاريخ الأرخبيل وتحدياته، تاركًا بذلك شهادة فكرية تُضاف إلى إرثه الوطني الذي سيظل حاضرًا في ذاكرة جزر القمر.

