إن من أعظم نعم الله علينا أن جعل لنا مواسم للخيرات نستغلها في طاعته سبحانه وتعالى، ومن تلك المواسم مناسبة شهر شعبان بما فيه ليلة النصف من شعبان.
بقلم الأستاذ/محمد حسين دحلان
باحث في الشريعة الإسلامية
تحتفل الأمة القمرية مع غروب يوم الثلاثاء 3 فبراير القادم بليلة النصف من شعبان، وتعد ليلة النصف من شعبان من الليالي الفاضلة التي جعلها الله من الأيام المباركة التي يعيشها المسلمون في كل عام، ويرجون فيها أن يتجاوز الله عن سيئاتهم، ويغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم، كما يطلبون فيها أن يجعل الله أيامهم مباركة تقوم على الطاعة والصلاح.
ومن الأحاديث التي ذكرت فضل ليلة النّصف من شعبان ما رُوِي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه «يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِه إلا لمشركٍ، أو مُشاحِنٍ». وكذلك ما رُوِي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من اللَّيلِ يُصلِّي، فأطال السُّجودَ حتَّى ظننتُ أنَّه قد قُبِض، فلمَّا رأيتُ ذلك قُمتُ حتَّى حرَّكتُ إبهامَه فتحرَّك فرجعتُ، فلمَّا رفع إليَّ رأسَه من السُّجودِ وفرغ من صلاتِه، قال: يا عائشةُ -أو يا حُميراءُ- أظننتِ أنَّ النَّبيَّ قد خاس بك؟ قلتُ: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، ولكنَّني ظننتُ أنَّك قُبِضْتَ لطولِ سجودِك، فقال: أتدرين أيُّ ليلةٍ هذه؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: هذه ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يطَّلِعُ على عبادِه في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ، فيغفِرُ للمُستغفِرين، ويرحمُ المُسترحِمين، ويؤخِّرُ أهلَ الحقدِ كما هُم».
وإن المتأمل على الحديثين السابقين يستطيع الاستنباط على نقطتين رئيسيتين: أما النقطة الأولى فهي أن الله تعالى لا يطلّع على المشرك. فالشرك من أعظم وأقبح الذنوب والمعاصي، الذي يكون بالذبح والدعاء لغير الله، حيث قال سبحانه في محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لمن يشاء﴾.
وأما النقطة الثانية فهي أن الشحناء والبغضاء التي قد يستهين بها البعض من أسباب عدم اطلاع الله على العباد، إضافةً إلى أنّها من أسباب عدم قبول الصلاة والأعمال، فلابدّ من الإخلاص والسلامة من الحقد والحسد والغش لقبول الأعمال. وتترتّب على التسامح العديد من الفوائد منها: بذل الرحمة بالمسيء، وتقدير جانب الضعف البشري لديه، و امتثال أوامر الله سبحانه، وطلب العفو والمغفرة منه، وتوثيق الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تضعف بسبب الإساءة والجناية من الأفراد على بعضهم البعض، ونيل رضا الله سبحانه، وتحقيق التقوى في القلب، والشعور بالراحة والسكينة في النفس.
وإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة للناس جميعًا، وخير مثالٍ عمليّ على الأخلاق الحميدة التي لابد من أن يحرص كلّ مسلمٍ على التحلي بها، قال الله سبحانه وتعالى واصفًا نبيّه الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾.
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان متسامحا. ومن صور تسامحه مع المسيء؛ ما رواه أنس رضي الله عنه أنّه قال: «كُنْتُ أَمْشِي مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أَثَّرَتْ به حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قالَ: مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ له بعَطَاءٍ».
فالمتأمل على حياة مجتمعنا القمري يرى أن كل يوم تظهر مشاكل واختلافات كثيرة سواء ما يخص كرة القدم أو التنازع بين المدن والقرى أو الأمور العائلية. لذا، فإننا بحاجة إلى استغلال الفرص للتسامح ابتغاء لمرضاة الله ليكون له أثرا إيجابيا في المجتمع، منها انتشار المنافع والآثار الإيجابيّة في حياة الناس وتأكيد مبدأ الاحترام المتبادل بين الناس على الرّغم من اختلاف أفكاهم ونشر النّاس بين بعضهم البعض الخبرات التي يتمتّع بها كلّ فرد، ممّا يؤدّي لتبادل المنافع، وسلامة القلوب من الحقد، والحسد والبغضاء.

