أكد سماحة مفتي الجمهورية، الشيخ أبو بكر سيد عبد الله جمل الليل، أن حماية الأسرة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم لم تعد تقتصر على التدخل لمعالجة المشكلات بعد وقوعها، بل تتطلب تبني منهج يقوم على الوقاية والاستباق، وتعزيز الحوار والرحمة وتحمل المسؤولية بين أفراد الأسرة.

 

وشدد مفتي جزر القمر على أهمية إيلاء عناية خاصة للأطفال والشباب في مواجهة التأثير المتزايد للفضاء الرقمي، داعيًا إلى تطوير الخطاب الإفتائي بحيث يتجاوز مجرد الإجابة عن الأسئلة الفردية، ليصبح أداة لبناء وعي أسري ومجتمعي متكامل. جاء ذلك خلال كلمة ألقاها سماحته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي انعقد في القاهرة يومي 2 و3 سبتمبر الجاري، بمشاركة نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم. وأوضح الشيخ أبو بكر أن أهمية القضية التي يناقشها المؤتمر تنبع من حقيقة أن الأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي اللبنة الأولى في بناء الإنسان والمجتمع، والحاضنة الأساسية للقيم والأخلاق والهوية، مؤكدًا أن أي تحولات تمس الأسرة تنعكس بصورة مباشرة على استقرار المجتمع ومستقبله.

تحولات متسارعة وتحديات جديدة

وأشار مفتي الجمهورية إلى أن الأسرة المعاصرة تواجه تحولات متسارعة بفعل التطور التقني والإعلامي، وتغير أنماط الحياة، إلى جانب التحولات الاقتصادية والثقافية. وقال إن هذه المتغيرات تفرض على المؤسسات الإفتائية أن تكون حاضرة بوعي شرعي وفهم عميق للواقع، وأن تمتلك القدرة على تقديم حلول متوازنة تجمع بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة وشدد على أن مواجهة التحديات الأسرية ينبغي ألا تبدأ بعد وقوع الأزمات، بل يجب أن تقوم على ترسيخ ثقافة الوقاية والاستباق، وبناء علاقات أسرية قائمة على الحوار والرحمة وتحمل المسؤولية. كما دعا إلى حماية الأطفال والشباب من الآثار السلبية التي قد تنتج عن الاستخدام غير الواعي للفضاء الرقمي، مؤكدًا أن التطورات التكنولوجية تفرض تحديات جديدة على الأسرة والمؤسسات الدينية والتربوية.

تطوير الخطاب الإفتائي

وأكد الشيخ أبو بكر أن التحولات الراهنة تستدعي إعادة النظر في طبيعة الخطاب الإفتائي الموجه إلى الأسرة، بحيث ينتقل من مجرد تقديم إجابة عن سؤال فردي إلى بناء وعي يساعد الأسر والمجتمعات على تجنب الأزمات قبل وقوعها. وأوضح أن تعقيد المشكلات الأسرية المعاصرة يجعل من الضروري أن يستفيد العمل الإفتائي من العلوم الاجتماعية والنفسية والقانونية ذات الصلة، بما يمنح المفتي تصورًا أكثر دقة للواقع، ويساعده على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع بصورة رشيدة تراعي مختلف أبعاد المشكلات. وطرح سماحة المفتي جملة من المقترحات العملية، في مقدمتها إنشاء وتعزيز مراكز متخصصة في الإرشاد الزواجي والإفتاء الأسري، تجمع بين التأصيل الشرعي والخبرة الاجتماعية والنفسية. وأوضح أن هذه المراكز من شأنها التعامل مع القضايا الأسرية من منظور متكامل، بدلًا من الاقتصار على جانب واحد من المشكلة. كما دعا إلى التوسع في إعداد برامج توعوية وتأهيلية للمقبلين على الزواج، لتعريفهم بحقوق الزوجين وواجباتهما، وتدريبهم على مهارات الحوار وإدارة الخلاف، وترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة داخل الأسرة. وأكد أن حماية الأسرة تبدأ، في الواقع، قبل إبرام عقد الزواج، وليس بعد ظهور الخلافات والمشكلات.

إشادة بالتجربة المصرية

وفي هذا السياق، أشاد مفتي جزر القمر بتجربة دار الإفتاء المصرية في تأهيل المقبلين على الزواج، معتبرًا أنها تجربة رائدة تمثل انتقالًا مهمًا من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى الوقاية منها قبل حدوثها. وأوضح أن هذه البرامج تسهم في بناء وعي حقيقي لدى الشباب بحسن الاختيار، وطبيعة العلاقة الزوجية، والحقوق والواجبات، وكيفية التعامل مع الاختلافات. وأضاف أن هذا النوع من التأهيل يساعد الشباب على دخول الحياة الزوجية بدرجة أكبر من الوعي والمسؤولية، ويحد من تحول الاختلافات الطبيعية بين الزوجين إلى أزمات قد تهدد استقرار الأسرة واستمرارها. وأكد أن الوقاية الأسرية ينبغي أن تصبح جزءًا أصيلًا من العمل الديني والإفتائي.

الفضاء الرقمي والتعاون بين المؤسسات

وفي السياق ذاته، دعا الشيخ أبو بكر إلى تطوير محتوى إفتائي رقمي موجه بصورة خاصة إلى الشباب والأسر، يتعامل مع التحديات الجديدة بلغة واضحة وموثوقة وقادرة على الوصول إلى الجمهور في الفضاءات التي أصبح يستمد منها جانبًا كبيرًا من معلوماته وأفكاره. كما شدد على ضرورة تعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، وتبادل الخبرات والدراسات المتعلقة بقضايا الأسرة، بما يسمح ببناء استجابات أكثر فاعلية للتحديات المشتركة التي تواجه المجتمعات الإسلامية. وأكد أن حماية الأسرة وصيانة هويتها لا ينبغي أن تقوما على التشدد أو الانغلاق، بل على الرحمة والاعتدال والحوار، بالتوازي مع التمسك بثوابت الدين ومقاصده في حفظ الإنسان والأسرة والمجتمع.

أسرة آمنة قادرة على مواجهة المستقبل

وبيّن مفتي الجمهورية أن مسؤولية المؤسسات الدينية اليوم تتجاوز مجرد المحافظة على الأسرة في صورتها الراهنة، إلى مساعدتها على أن تصبح أسرة آمنة وواعية وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل. وأضاف أن الهدف يتمثل في تربية جيل معتز بدينه وهويته، وفي الوقت نفسه منفتح على العالم بثقة واتزان. وأشاد، في هذا الإطار، بجهود فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، في توحيد وتنسيق جهود العلماء والمفتين، وضبط العمل الإفتائي وتوجيهه نحو حماية الأسرة وتحقيق مقاصد الشريعة ونشر قيم الإسلام الداعمة للأمن والسلام والاستقرار والتنمية. كما ثمّن سماحته رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي للمؤتمر، معربًا عن تقديره لجمهورية مصر العربية، قيادة وشعبًا، ولدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، على تنظيم هذا المؤتمر وجمع العلماء والمفتين وتعزيز التعاون الإفتائي على المستوى الدولي. وفي ختام كلمته، أكد الشيخ أبو بكر سيد عبد الله جمل الليل أن الأسرة الآمنة والواعية تمثل الأساس في مواجهة تحولات المستقبل وصيانة الهوية، داعيًا إلى تحويل الرؤى والأفكار التي يطرحها المؤتمر إلى آليات عملية وبرامج واقعية تدعم الأسرة وتعزز قدرتها على تربية أجيال تجمع بين الاعتزاز بالدين والهوية والانفتاح المتزن على العالم.