توفي الحاج محمد بن شرف أحمد مفواهايا، فجر الأربعاء 30 سبتمبر 2026، عن عمر ناهز 105 أعوام، في أحد المراكز الصحية الخاصة بالعاصمة موروني، وفق ما أعلنت أسرته. وهو شخصية اجتماعية بارزة كرّست أكثر من أربعة عقود لخدمة المجتمع والحفاظ على العادات والتقاليد القمرية

 

ويُعد الراحل من أبرز أعيان جزيرة انغازيجا، إذ ظل لأكثر من أربعة عقود متحدثًا باسم وجهاء الجزيرة، وشخصية مرموقة في الأوساط الاجتماعية والسياسية، تاركًا حضورًا بارزًا في الحياة العامة وفي الأوساط التقليدية القمرية.

نشأ محمد بن شرف في كنف والده أحمد مفواهايا، أحد الشخصيات الدينية والاجتماعية المعروفة، الذي غرس فيه منذ الصغر قيم الحكمة والاعتدال والتمسك بالدين والتقاليد. وقد انعكست هذه القيم على شخصيته، وأسهمت في تعزيز مكانته في مدينة مبيني ومنطقة هاماهامي وجزيرة القمر الكبرى، قبل أن يمتد حضوره إلى مختلف أنحاء البلاد.

وفور الإعلان عن وفاته، احتشدت أعداد كبيرة من المواطنين في مسقط رأسه بمدينة مبيني، حاضرة منطقة هاماهامي، للمشاركة في تشييع جنازة أحد أبرز رجال الأعيان في البلاد. وخلال مراسم التشييع، أشاد الشيخ محمد عاصم، وهو من أبرز الشخصيات المنحدرة من مبيني، بمناقب الفقيد، مستحضرًا علاقاته الوثيقة بأسرته، وحرصه على الصالح العام، وما عُرف عنه من حكمة وبعد نظر. وأكد الشيخ عاصم أن محمد بن شرف ترك "مساهمة قيّمة" في الحفاظ على التراث والعادات والتقاليد القمرية، مضيفًا: "لقد كان فريدًا من نوعه؛ كان مصدر إلهام لنا ورجلًا جديرًا بالاحترام في كل شيء".

رجل عصامي متمسك بالقيم

ووصف الدكتور عبد الحكيم محمد شاكر الراحل بأنه شخصية متعددة الجوانب، جسدت نمطًا من الحياة يقوم على احترام الذات والالتزام بالقيم التقليدية، التي ظل يدافع عنها بإيمان وتفانٍ. وقال الأستاذ المحاضر في كلية الإمام الشافعي خلال مراسم الجنازة: "لا حاجة لأحد أن يعرف من هو محمد بن شرف، فاسمه وحده كافٍ لتخليد ذكراه. لقد كان مخلصًا للثقافة والدين وتقاليدنا". وعمل محمد بن شرف لعقود في الزراعة والتجارة، وتمكن من بناء مكانته بجهده الشخصي، بعيدًا عن تأثير المال وسلطته. ووفق شهادات عدد ممن حضروا جنازته، سيبقى في الذاكرة رجلًا بسيطًا وفاضلًا، منفتحًا على الآخرين، ومتمسكًا بالقيم التي تلقاها عن والده.

ومع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أصبح محمد بن شرف أحد أبرز الشخصيات في أوساط النخبة الاجتماعية في البلاد. وقد عُرف بذكائه وخبرته الواسعة بالعادات والتقاليد، كما كرّس جانبًا من سنواته الأخيرة للتنقل بين مختلف مناطق البلاد، سعيًا إلى رأب الصدع بين المجتمعات وتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي.

وقال المحامي داميد قمر الدين، الذي نشأ في أوساط تلك الشخصيات: "عقل ثاقب، وخبير متمرس بالعادات والتقاليد، لقد كرّس السنوات الأخيرة من حياته العملية للسفر في أرجاء البلاد، تطوعًا، من أجل رأب الصدع بين المجتمعات وتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي". وأضاف أن الراحل ينتمي إلى جيل من الرجال الذين حملوا، في نظره، مبادئ وقيمًا أخلاقية راسخة أسهمت في ترسيخ الهوية الاجتماعية والثقافية للبلاد.

مدافع عن التعددية والاستقلالية

وعُرف محمد بن شرف أيضًا بشخصية قوية وخطابة مؤثرة، وبموقفه الرافض لتسييس أوساط الأعيان والنخب الاجتماعية، انطلاقًا من قناعته بأن أصحاب المكانة الاجتماعية الرفيعة ينبغي أن يحافظوا على استقلاليتهم وأن ينأوا بأنفسهم عن الصراعات السياسية. وقال الصحفي علي موانجي، المدير السابق لصحيفة "الوطن"، إنه أدرك مع مرور الوقت حجم الشجاعة التي كان يتحلى بها الراحل في دفاعه عن فكرة التعددية السياسية، في بيئة لم تكن مهيأة لها بشكل كامل. وأشاد موانجي كذلك بتواضع الفقيد واهتمامه بمصير الآخرين، واصفًا إياه بالرجل المستقل والشجاع الذي لم يكن يتغاضى عن الظلم.

من جهته، أشاد السفير السابق لدى جمهورية مصر العربية علي محمد ديا بالإرث الذي خلفه محمد بن شرف من تعاليم وحكمة، مؤكدًا أن الراحل كان "شخصية عظيمة تركت بصمتها على مجتمع جزيرة انغازيجا، وستبقى خالدة في ذاكرتنا الجماعية". وبوفاته، تفقد جزر القمر أحد أبرز رجال الأعيان الذين ارتبط حضورهم بالحفاظ على مكانة التقاليد والعادات، وبالسعي إلى تعزيز التماسك الاجتماعي. وقد ترك الفقيد عائلة كبيرة امتدت جذورها إلى مبيني وموروني وميتساميهولي، إضافة إلى عدد كبير من الأبناء والأحفاد، ليبقى إرثه الاجتماعي حاضرًا في ذاكرة أجيال عديدة.